‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاركات عامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاركات عامة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

"تم القبض على الكاتب علي السبحاني" مقال ساخر بسبب شائعة


"تم القبض على الكاتب علي السبحاني" جملة مثيرة إعلاميا كتبها ونشرها يوم أمس بعض إخواني –حفظهم الله من كل مكروه-، ونتج عنها ضجة كبيرة في عالم الواتساب البورمِسْعُوديّ واستمر أثرها حتى صباح اليوم التالي ...

وقد لحظت في خلال هذه الفترة شريحة كبيرة من شبابنا ومثقفينا تغمرهم السعادة والبهجة حين قراءتهم للخبر والتعليق عليه؛ مما جعلني أتوقف عن نفي الخبر، وألا أحرمَهم تلك السعادة التي كانوا عليها طَوال اليوم ...

شعرت بسعادة بالغة بسعادتهم، وكنت في خصام شديد مع نفسي؛ فهي تريد أن أكتب شيئا أنفي به الخبر، وأنا أريد أن ألتزم الصمت لأفرح بفرحهم، ولا يمكنني أن أقطع فرح مئات الأحباب والإخوان الذين يرقصون ويغنون ويغردون طوال الليل لأرضي نفسي؛ فتلك أنانية مذمومة، وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، والمطلوب والأفضل هو العكس تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وما كنت أعلم في الأيام الغابرة أن كتابة مقالات ضد نفسي المذنبة تسعد تلك الشريحة من الناس، وتجعلهم في أفراح واحتفالات كما تحصل مع الفتوحات والانتصارات العظمى، ولو كنت أعلم ذلك لما منعتهم، ولأسهمت معهم في كتابتها وصياغتها وتصحيحها لغويا وفكريا ...

وأشكر كاتب هذا المنشور وغيره من المنشورات التي تفيد إلقاء القبض على المجرم علي السبحاني وعلى كل من قام بنشرها وتراقص لأجلها؛ لأن نفسي المذنبة مملوءة بالذنوب والمعاصي، وهذا قد يكفر شيئا من ذلك، ويضيف أيضا شيئا من الحسنات التي أحتاج إليها كثيرا.

ومن الإيجابيات التي قدمتها لي تلك المنشورات وأشكر لأجلها كاتبيها وناشريها –جزاهم الله خيرا- أنها قدمت لي شيئا من الشهرة والأضواء، وكنت قبلها شخصا مجهولا.

ومن الإيجابيات أنني وقفت على احترافية بعضهم في نقل الشائعات ونشرها في المجموعات الواتسابية وإبداعهم في ذلك، حيث إنهم ينقلونها في المجموعات العامة بكلمة (منقول)، وبسؤال (هل هذا صحيح؟)، وهذا الفن لا يتقنه إلا العباقرة والمختصون، وأما غيرهم ممن لم يصل إلى درجتهم فإنهم يتصلون بعلي السبحاني ويسألونه عن صحته لأنه صاحب الشأن، وخاصة إذا كان الشخص من أصحاب علي السبحاني، أو يرسلونه رسالة خاصة ويسألونه فيها، لكن هذه الطريقة تقليدية وقديمة جدا، ومن باب التجديد في هذا الباب جاء إبداع كاتبي (منقول) (وهل هذا صحيح؟) ومحبي نشر الشائعات الفضلاء –بارك الله فيهم-.

ومن الإيجابيات عرفت أن وجودي في هذا الكون له أثر، وأن هناك من يهتمون بي وبشأني، ويراقبون كل حركاتي وسكناتي، وتكون هي أسباب أفراحهم أو أحزانهم، وهذا من فضل الله علي؛ حيث إن هناك من يفحط بالسيارات والدراجات لأن يقول للناس أنا موجود.



ولحظت هناك أناسا لا يحبونني؛ فإنهم يخاصمون من نشر تلك المنشورات ويمنعونها؛ ولم يكن لهم أن يفعلوا ذلك أبدا؛ لأنهم بتصرفاتهم كادوا أن يضروا بي ويحرموني تلك المصالح التي تحققت لي من تلك المنشورات.

الاثنين 1436/3/21 

تعليق ساخر على مقالة


قال بعض أحبتي عندما رأى ظاهرة التكسب الحرام عند كثير ممن يدعون أنهم يخدمون القضية الروهنجية: "ابني: في مستقبلكم -إن شاء الله- لن يستطيع أحد تعييركم واتهامكم بأدنى شبهة في طريقة كسب أبيكم".

تعليقي على كلامه:
أنت غلطان -يا شيخ ...-، أراك تضيع وقتك وعمرك معتمدا على هذه الأوهام التي لا تفيدك ولا تفيد عيالك وأحفادك...

يا شيخ الحياة سهلة فلا تصعبها بنفسك، اعمل لقضيتك سنة أو سنتين أو ثلاثا واستمتع فيها بالعشوات والرحلات والسفريات إلى دول لم تحلم بها، وكون لك رصيدا ماليا محترما، وامتلك مركبا يليق بك، كسيارة "لاندكروزر" أو "لكزس" أو "بي ام دبليو"، والأفضل بلا شك "بانوراما"، ولا تنس أيضا أن تمتلك قصرا أو قصرين إضافة إلى بعض الأراضي في مخططات مشهورة؛ ليستفيد منها أحفادك وأحفاد أحفادك.

ولا تخش أبدا من كلام الناس واتهامهم بسبب ثرائك المفاجئ والمريب؛ فإنه بإمكانك الخروج من المأزق بحَبّة اتهام مضادة تتهم فيها كاشفيك بالحسد والحقد وغيبة العلماء والأولياء والصالحين والمضحين بأرواحهم لأجل القضية، وتيقن أنه سيكون هناك فريق يقوم بحمايتك والدفاع عنك إعلاميا وسياسيا في الفيس بوك والواتساب وتويتر وفي البيوتات والحارات والأزقة، وبمحاربة كل من يحاول كشف حقيقتك، وأبشر فهناك أيضا آيات وأحاديث وأقوال للعلماء والحكماء والصلحاء جاهزة يتم استعمالها في الدفاع عنك بطريقة محكمة.

كما يكون هناك فريق آخر يتمتع أعضاؤه بخفة عقل وقلة علم تُنفخ في أنفسهم روح الدفاع عن الحق والزعماء الأبطال؛ ليقوموا بالدفاع عنك في كل حال؛ فأنت عندهم أحد الأبطال، نعم يدافعون عنك وإن لم يكن لديهم إلمام تام بحقيقة قولك ومرادك، وأهدافك وأغراضك، لكن أنصحك بألا تكون بخيلا عليهم، فأكرمهم ببعض الهدايا والريالات؛ ليقوموا بواجبهم بإتقان، وهم رجال طيبون مخلصون لن يتخلوا عنك مهما ساءت أحوالك!

وفي هذه الفترة التي تقضيها في خدمة القضية لأجل الله -نعم لأجل الله-؛ ستكون فيها مشهورا يشار إليك بكل أصابع اليدين والرجلين، ولا تمشي حينئذ في زقاق أو سوق إلا وتجد هناك من يهتم بأمرك ويحاول أن يفرش لك سجادة حمراء لتمشي عليها متبخترا، ولا تمر ببائع أو دكان إلا وتجد أسعار السلع مخفضة لك، بل قد تفاجأ بسلع لا تُدفع مقابلها أثمان.

وأما المناسبات الخاصة والعامة التي تدعى إليها بشوق ولهفة فحدث عنها ولا حرج، ويفضل لأجل هذه المناسبات الكثيرة أن تجعل لك جدولا لتحديد الأهم منها؛ لأنه لا يمكنك أن تلبيها كلها، والأفضل عند الزحمة أن تقدم دعوات الأغنياء والوجهاء؛ لتؤلف قلوبهم بغية أن تستفيد منهم حالا ومستقبلا.

وبعد مضي ثلاث سنين من الخدمة لوجه الله –وهذه الجملة مهمة للتحسين والتزيين والترويج-، بعد مضي هذه الفترة إن أحسست بشبعٍ ماديا ومعنويا واجتماعيا؛ فإنه بإمكانك أن تظهر أمام الناس الذين عرفوا بعض حقيقتك واتهموك؛ بوجه التائب الذي يعض أصابع الندم على هفواته التي حصلت من غير قصد، ووضع قدمه فيها من دون علم ولا بصيرة، لابسا ثوب الزهد، حاملا سبحة طويلة ...

صدقني إن فعلت ذلك فإن الناس سينسون أيامك السوداء التي قضيتها غاشا خادعا متلاعبا، وتكون عندهم رجلا نزيها بريئا مبرأ من أي زلة أو هفوة. وعند ذلك تحس بأنك كسبت المال والثروة، وأشبعت رغباتك وشهواتك، وأغنيت أهلك وأولادك وأحفادك دون أي خسارة.


فما الأفضل الآن يا شيخ ...؛ هذا الذي أشرت إليه، أم زهدك هذا الذي بنيته على أوهامك؟ قم يا شيخ قم –الله يهديك- قبل أن تعض أصابع الندم.

ألم نربك فينا وليدا؟


إن بعض المعلمين جعلوا التعليم بابا لاستعباد أولاد الناس ونزعِ حرياتهم؛ فلا يمكن الطلابَ أن يتصرفوا أي تصرف إلا بإذن معلمهم في داخل نطاق التعليم أو خارجه إن جمعتهم به رحلة برية أو عمل مشترك، ولا يجوز لهم القيام ولا القعود ولا الأكل ولا الشرب، ولا التحدث إلى الناس؛ إلا إن سمح لهم به معلمهم المقدس!

وعلى منهجهم أنه يجب عليهم التزام الصمت والتغاضي والتجاهل التام إن حصل من المعلم أي تصرف خاطئ، أو سلوك شائن، أو ارتكب معصية، أو اقترف جريمة؛ لأنهم في مرتبة لا تؤهلهم للتنبيه على خطئه أو الإنكار عليه، وإن استمر في أخطائه وتجاوزاته التي قد تضر نفسه وتخل بعدالته، وتضر الناس الذين من ورائه!

هؤلاء فهمهم لمكانة المعلم ومكانة الطالب أمامه ما أنزل الله به من سلطان، ولا أشار إليه عالم أو جاهل عاقل؛ إلا أصحاب العمائم العظيمة من غلاة الشيعة، وحاملو السبحات الطويلة من غلاة الصوفية، ومن نحا نحوهم من المستغلين للعقول الضعيفة!

نعم، لا شك أن المعلم له فضل كبير على طالبه الذي تعلم على يديه ما كان يجهله قل أو كثر، فلهذا قال شوقي:
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا ** كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي ** يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا

كما لا شك أنه ينبغي للطالب الوفي المقدر لحقوق الآخرين ألا ينسى هذا الفضل، وأن يجل معلمه ويحترمه ويضعه في منزلته الرفيعة التي أكرمه الله بها، وأن يدعو له بالخير، وأن يكون تعامله معه فيه نوع من الخصوصية؛ تقديرا للتعليم الذي تلقاه منه، والإحسان الذي قدمه إليه.

لكن ليس معنى ذلك أنه يجب على الطالب أن يجعل معلمه شخصا مقدسا معصوما لا يجوز له أن يرشده إلى الصواب إن أخطأ، أو ينكر عليه إن تمادى في غيه وضلاله ... ولو كان هذا المعنى صحيحا لما جاز للخليل –عليه السلام- أن ينهى أباه عن الشرك ويدعوه إلى التوحيد، وهو الذي رباه من الصغر واعتنى به وعلّمه من أمور الحياة وتجاربها، ولا جاز أيضا لموسى –عليه السلام– أن يأتي فرعون، وينكر عليه منهجه وادعاءه الألوهية، ويدعوه إلى الاعتراف بخالقه الذي خلقه، وهو الذي تكفل بتربيته منذ أن كان وليدا، واعتنى به وصرف عليه من ماله حتى كبر وأصبح رجلا ...

وإنني متى أجد أحدا من أصحاب هذا الفهم الخاطئ يحاول إسكات الناس عن إنكار خطئه عليه، أو عن نقد تصرفه السيئ بحجة أنهم طلابه، أو أنه خدمهم، أو وقف معهم في أزمة من أزماتهم؛ أتذكر إمام هذا المنهج السقيم وسيد المستبدين فرعون اللعين مستحضرا قوله لموسى –عليه السلام– : (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين)! وذلك عندما جاءه موسى –عليه السلام- يدعوه إلى الصراط المستقيم والإيمان بالله الإله الحق المبين.



البلد الحرام - الثلاثاء 1435/8/12 

العَزَب


بائس من البائسين على وجه هذه البسيطة، مشتت الفكر، مكسور الخاطر، شعر ناصيته كشوك القنفذ في حدته وشدته، جلده الذي يحمله على جسمه كلحاف تسجى به وقد تراكمت أدرانه بعضها على بعض، يخيل للناظر أن جلده اللحمي قد اقترن بجلد من قشرة جافة، يفوح منه نسيم لا يسلم من شره إلا مزكوم، وتمنى من رأى شبيها له أن يكرمه ربه بالزكام قبل أن يبتلى بمنادمته ...

يرى لداته ممن تزوجوا وتأهلوا كمن لم يوجدوا في هذا العالم إلا بشروط، وأنهم ملوك الأرض وأمراؤها عند من يؤمن بالحقيقة؛ ينامون ويتقلبون على أسرّة فارهة، في غرف كأنها قطع من الجنان العلوية السماوية في جمالها الساحر، ومنظرها الباهر، وما يجدون فيها من النعيم واللذة والسرور؛ فهم الآمرون فيها والناهون، كلماتهم فيها مسموعة، وطلباتهم مجابة، يمضون فيها أوقاتهم السعيدة في دلال فاق دلال الحسناوات، وفي عظمة توازي عظمة السلاطين بين خدمهم وحاشيتهم، بل تفوقها؛ لأنها عظمة صنعها الحب والمودة، وامتد جذورها إلى أعماق القلوب، وتلك الأخرى في الغالب عظمة مقطوعة الجذور فرضها الخوف والقوة؛ فشتان بينهما.

عندما يعود ويتأمل في نفسه وحاله يجد أن بعض القطط في المجتمع أحسن منه حالا، وأسعد منه بمفاوز؛ يدلـّله صاحبه، ويعتني به، ويطعمه من ألذ المطعومات، وينظفه ويلاعبه، ويهتم بحاله، ويدفع عنه من يعاديه ويؤذيه؛ في حين أنه أشبه بحجر ملقى في الطريق، أو فضلة من فضلات المجتمع؛ لا يجد من يسأل عن حاله، ولا من يحزن لحزنه ويفرح بفرحه، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، إن جالس أقرانه من البائسين يحس بأنه حضر مأتما من المآتم، ويزيدونه هموما إلى همومه؛ فيصبح كحاوية للهموم والأحزان، وإن اقترب إلى المتأهلين السعداء يجد في كثير من أحاديثهم رموزا وطلاسم لا يفهمها حتى السحرة والمشعوذون؛ فيكون بجوارهم كرجل بقرب سرب من الأطيار يستعذب أصواتها ولا يفهم منها حرفا، وقد يفهم بعض أحاديثهم لكنه لا يزيده إلا غيظا وحسرة لما يحتوي عليه من وصف للعفيفات الحسان، وذكر لوفائهن وخدمتهن للأزواج، وحسن تربيتهن لفلذات الأكباد، وانشراح الصدور والإحساس بالنشوة والسرور عند رؤيتهن بجمالهن ودلالهن والاقتراب منهن والتحدث إليهن ...

الحياة هنا في الدنيا لا تنظر إلى العَزَب إلا بعين حمراء ووجه عبوس، يعيش فيها عذابا وجحيما، ويقاسي فيها آلاما وهموما، لا يرحمه -بعد الرحمن- إلا أعينه التي ترسل دموعها لتزوره ليلا ونهارا، وتترك في خديه علامات تهدي إليه من يشفق على أهل البؤس والشقاء؛ فرفقًا بهم -أيها المتأهلون السعداء-، وإياكم والشماتة بأولئك المساكين، واكتفوا عند رؤيتهم بقولكم (الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا).



البلد الحرام - الثلاثاء 1435/2/3 3

لأجلهم العربية تبكي وتشتكي!


خدعوهم وطبلوا لهم تاركين توجيههم ونصيحتهم رغم معرفتهم بجهلهم الفاحش، وعدم إدراكهم لأبجديات اللغة العربية وتراكيب أحرفها؛ فجعلوهم أضحوكة المجالس وفواكه النوادي؛ يتفكه الخاصة والعامة بغرائب أسطرهم وعجائب كتاباتهم!

يكتبون كما الكتاب يكتبون ويسطرون، لكن شتان بين كتاباتهم وكتابات الكتاب، أولئك كلماتهم مُلئت جمالا وفصاحة، وحسنا وبلاغة، وهؤلاء عباراتهم وأحرفهم ملئت جهلًا مركبا، ولحنا جليًا باكيًا مبكيا.

يكتبون ... لكن القلم يئن حين يكتبون، يكتبون والكتابة نفسها تصرخ وتصيح: "دعوني ... دعوني يا أيها الجهال والحمقى، وأريحوا الأقلام واتركوها لأربابها".

يكتبون ... والمرفوع في دين كتابتهم مجرور، والمجرور مرفوع، والمذكر مؤنث، والمؤنث مذكر، ومن حسن حظهم أنهم لم يكونوا في عصر الكسائي وسيبويه والفراهيدي؛ وإلا لحبسوهم ولأوجعوهم ضربًا كلَّ يوم بكرةً وعشيا.

يكتبون لمجرد الكتابة، فلا تجد في أسطرهم جملة صحيحة، ولا معنًى مفهوما، ولا هدفًا واضحا.

يكتبون والكلمات عربية، لكن لا تجد فيها معاني عربية، وتنهال عليها الإعجابات والتعليقات، والمدائح والإطراءات من كل حدب وصوب، وما علم أولئك المساكين أن هذه المشاعر غير الصادقة إنما هي منبعها السخرية والاستهزاء بسوء حالهم، وضحالة فكرهم، وسخافتهم وجهلهم.

أعلم بعض جلاسي المكتئبين والمصابين بعوارض الهموم والأحزان -وهم من الكتاب الفصحاء الذين لا تخفى عليهم أسرار العربية وأساليبها، وأصولها وفروعها-؛ ينتظرون بفارغ الصبر كتابات هؤلاء السخيفة وقصائدهم المثيرة للشفقة على أصحابها؛ رجاءَ أن تخفف عنهم شيئا من أحزانهم، وتزيل بعضا من همومهم، وأملا في أن يستعيدوا بها شيئا من بريق وجوههم بالبسمات والضحكات التي تنشأ عند قراءة تلك الكلمات والعبارات.

إن هؤلاء الذين يجلبون لنا العار والشنار كلَّ يوم في وسائل التواصل الاجتماعي بطامات كتاباتهم وسخافات تراكيبهم للجمل والعبارات؛ ينبغي أن يحجر عليهم، ويكافأوا على صومهم عن الكتابة وإراحة الأقلام من شرهم، حتى يكتسبوا من العلم القدرَ الذي يميزون به بين المرفوع والمنصوب، والمجرور والمجزوم، والمذكر والمؤنث، والجمع والإفراد والتثنية، ويستطيعوا به الربط المعنوي واللفظي بين العبارات والجمل، وتركيب عبارات مفهومة معلومة الهدف منها والرسالة.

نحاول كثيرا الابتعاد عن قراءة ما يسطرون، لكن لا مفر من ذلك؛ فلا يذكر الحمقى والمغفلون في المجالس وأرباب الجنون والسفاهة إلا والحديث عنهم وعما يكتبون يكون له حظ وافر من النصيب، بل قد تكون له الصدارة المطلقة -الله المستعان-.


البلد الحرام الاثنين 1437/4/29 

الذامون في الليل المادحون في النهار!!


أرى أناسا عندما يكونون في غرف مغلقة ومحادثات سرية يتكلمون في بعض الناس ويعددون أخطاءهم الكارثية ويحذرون منهم ومن شرهم، لكنهم يظهرون في العلن بوجوه مختلفة تماما عما ظهروا هناك في الظلام!!

 في العلن يثنون على أولئك ثناء عاطرا، ويتلون مدائحهم ومحاسنهم، ويعددون إنجازاتهم ونبيل وقفاتهم حتى يظن السامع والقارئ أن هؤلاء ملائكة بثياب بشر يمشون في الأرض!!

مثل هؤلاء الذامين في الليل المادحين في النهار للأشخاص أنفسهم لا يخرجون من أحد أمرين:
1-أن ما ذكروه في الليل غير صحيح، بل الصحيح ما يعلنون عنه في النهار؛ فإن كان هذا هو الواقع فعليهم أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، ويبتعدوا عن الغيبة والكذب على الناس والبهتان، وليعلموا أن ذلك لا يفعله إلا من يتصف بخصال المنافقين، وجزاء ذلك في الآخرة معلوم لدى الجميع.

2-أن ما ذكروه في الليل من جرائم وطامات لأولئك الناس صحيح وواقع، لكنهم يأتون في النهار بوجه آخر ويتلون مدائحهم طمعا في مصالح شخصية، أو خوفا من شرهم؛ ومثل هذا الفعل لا يفعله ذو مروءة صاحب المبدأ السليم، وهم بذلك يخدعون الناس، ويحسنون صورة من يضرهم، ولم يفكروا إلا في مصالحهم الشخصية، وما عليهم إن عاش الناس أو هلكوا!


وأخرون من هذا الصنف يفعلون ذلك عندما يظهر من أفعالهم ما يستحق الإشادة به –على حد زعمهم-، وهذا خطأ؛ لأنهم لا يظهرون للناس علنا من أفعالهم إلا الخير والصالح، وأما الأخطاء الكبيرة التي تضر العامة فإنهم لم يعلنوا عنها ولا يبينوها للناس، وفي هذه الحالة لا شك أن العامة يظنون أنه لا يصدر منهم إلا كل خير، وأن ما ينسب إليهم من الأخطاء فإنه من باب تشويه سمعتهم، ومن الكذب والافتراء عليهم.

والواجب على هؤلاء أن يظهروا أخطاءهم الجسيمة التي تضر العامة كما يظهرون محاسنهم إن كان لا بد من ذكر محاسنهم؛ ليعرف الناس حجم أضرارهم وحجم منافعهم، فإن عجزوا عن ذلك فالأفضل لهم السكوت عن هذا وذاك.

وقلت (إن كان لابد من ذكر محاسنهم) لأن المقام ليس مقام ذكر محاسن المحذر منه؛ فالشخص إن ارتكب ما يوجب تحذير الناس منه؛ فإنه يجب التحذير منه بذكر جريمته التي تجعله غير مقبول عند أهل الشأن، ولا يجب على المحذر أن يذكر أيضا ما فيه من محاسن؛ لأن المقام مقام تحذير، وليس مقام سرد حياته وتاريخه، ومن أمثلة ذلك: السارق إن اشتهر على أنه يسرق فإنه يحذر منه مَن قد يخدع به فيظنه أمينا، ويتعامل معه في الأمور المالية، ولا يجب في الوقت نفسه أن تُذكر محاسنه إن كانت له محاسن؛ لأن المقام ليس مقام سرد ما لديه من أعمال حسنة وسيئة.

وأصل هذا من السنة قوله –صلى الله عليه وسلم– لفاطمة بنت قيس كما في صحيح مسلم: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له"، قال ذلك لما استشارته فاطمة في موضوع خطبتهما لها؛ فهنا حذرها النبي –صلى الله عليه وسل – منهما بذكر ما في كل واحد منهما من الصفات التي تكون مؤثرة تأثيرا سلبيا في الحياة الزوجية بالنسبة لفاطمة، ولم يذكر مع ذلك ما فيهما من صفات الخير؛ مما يدل على أن ذلك ليس مطلوبا في هذا المقام.

والطريقة نفسها تطبق في نقد رجال الحديث؛ فإن قال الناقد في راو (ضعيف)؛ فلا يلزمه أن يذكر معه أنه كان يقوم الليل وينفق الأموال، وإن قال في آخر (متهم بالكذب) فلا يلزمه أن يقول أيضا إنه كان كريما جوادا محبا للخير، بل يكتفي بذكر ما تسقط به أهلية قبول حديثه.

قال شيخنا الإمام ابن عثيمين –رحمه الله- في " لقاء الباب المفتوح "(61-70) (ص153 ): "عندما نريد أن نقوِّم الشخص يجب أن نذكر المحاسن والمساوئ؛ لأن هذا هو الميزان العدل، وعندما نحذِّر من خطأ شخص نذكر الخطأ فقط؛ لأن المقام مقام تحذير، ومقام التحذير ليس من الحكمة فيه أن نذكر المحاسن؛ لأنك إذا ذكرت المحاسن فإن السامع سيبقى متذبذبًا؛ فلكل مقام مقال".


البلد الحرام - الاثنين 1435/10/22
  


توضيح متعلق بعبارة "يغنيك عن الدنيا مصحف شريف"


العبارة:
"يغنيك عن الدنيا مصحف شريف، وبيت لطيف، ومتاع خفيف، وكوب ماء ورغيف، وثوب نظيف ... ".

التوضيح:
أرى أن هذا العبارة يتداولها كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع نسبتها إلى الشيخ المحدث محمد بن ناصر الدين الألباني –رحمه الله رحمة الله واسعة -، وشككت في أول نظرة إليها أنها من كلامه، ثم تركتها ولم أحفل بها، لكن حينما أكثر الناس من التداول والنشر في المواقع الإلكترونية والمجموعات الواتسابية؛ كلفت نفسي بالبحث عن صحة نسبتها إلى الشيخ –رحمه الله– مع توقعي مبدئيا أن النسبة غير صحيحة؛ فإن أسلوب الشيخ معروف، والأسلوب الذي في العبارة مختلف تمامًا عن أسلوبه.

فبعد البحث والتحري وجدت أن العبارة إنما تنسب إلى شخص اسمه قريب من اسم الشيخ الألباني –رحمه الله-، فالتبس على نَقَلة صفحات التواصل الاجتماعي ونُسّاخها فنشروها على أنها منسوبة للشيخ الألباني؛ إذ إنها تنسب إلى شيخ اسمه محمد بشير الباني، وهو عالم دمشقي توفي سنة 1429هـ، وهو شقيق الشيخ عبد الرحمن الْباني المتوفى سنة 1432هـ.

ولا يخفى عليكم أن هناك فرقا كبيرا بين النسبتين؛ فـ(الألباني) منسوب إلى دولة ألبانيا، و(الباني) منسوب إلى شخص اسمه قضيب البان الموصلي، واستفدت هذه المعلومة من أحد طلاب الشيخ الألباني اسمه خالد الشافعي، ذكرها في مشاركة له بملتقى أهل الحديث، ويمكن الرجوع إليها عبر هذا الرابط:

علمًا أن العبارة منسوبة أيضًا إلى الصحابي الجليل علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-؛ فالشيعة يتناقلونها كثيرا في مواقعهم الإلكترونية ومنتدياتهم مع نسبتها وعزوها إليه –رضي الله عنه-.


البلد الحرام – الاثنين 6 – 5 – 1437هـ.

افعل الخير متجردًا من عباءة الحمق والغباء


ليس كل من يريد فعل الخير يوفق له، بل قد تكون النتيجة عكسية عند التنفيذ؛ فيفعل الشر وهو لم يكن يريد إلا الخير، وهناك كثير من صور الشر نتجت عن أفعال كانت بنية الخير؛ بسبب أن صاحبها غلبته العاطفة المجردة عند التنفيذ، ولم يستخدم فيها عقله الذي ميزه الله به عن البهائم!

ويدخل في هذا الباب هؤلاء الذين يجمعون صور المأساة الإنسانية من أي مكان في العالم، ثم ينشرونها على أنها نماذج لصور مأساة مسلمي أراكان، وإن لم يكن لها أي علاقة بمأساة مسلمي أراكان، ولم يجسروا على ذلك إلا رغبة في نشر قضية هذه الأمة المضطهدة، وفي استعطاف العالم ولفت أنظار الناس إلى مأساتهم!

وآخر صورة من هذه النماذج السيئة ما شاهدناه هذه الأيام، وهو أن أحدهم نشر صورة لطفل عريان يحبو وفي عنقه حبل مربوط، معلقا فيها "طفل مسلم من بورما يعامل معاملة الكلاب من قبل عباد الصليب..."، والصورة في الحقيقة تعود لطفل فلبيني ربطت أمه حبلا في عنقه ثم قامت بتصويره.

قد يكون فاعل هذا أحد الروهنجيين أو أحد المتعاطفين معهم من غيرهم من المسلمين، لكن التصرف الذي أقدم عليه لا يدل إلا على حماقته وغباوته؛ فقضية مسلمي أراكان ليست بحاجة إلى أن يستخدم فيها الكذب والتدليس لترويجها ونشرها بين الناس؛ فإنها قضية حقيقية شهد لها المنظمات الحقوقية، ولجان تقصي الحقائق، والتقارير المرئية المعروضة في القنوات العالمية، والصور الملتقطة الحقيقية لمأساة مسلمي أراكان نشرتها الوكالات الروهنجية للأخبار، والقنوات المهتمة بنشر أخبارها، وامتلأت بها صفحات الجرائد والمجلات؛ فما الذي يلجئ الناس إذًا إلى الكذب والتدليس ونشر صورة كاذبة مزورة في ترويج هذه القضية؟!


إن الحمقى أعداء الحقيقة وإن ادّعوا حبها والحرص على السعي لمصلحتها؛ فالحقيقة لا تحتاج إلا إلى أناس مخلصين عقلاء حكماء لإيصالها إلى الناس ونشر أخبارها بينهم؛ فكن ذا عقل وحكمة عند نصرة قضية مسلمي أراكان، وإلا الأفضل لك أن تدعها وشأنها وتقعد في بيت أمك؛ لأن مثلك يضرها بدل أن ينفعها، ومثلك مثل الذي ينشر محاسن الإسلام عند الكفار بالكذب والدجل والتدليس، وهو بذلك أساء إليه بدل أن ينفعه من حيث لا يشعر -الله المستعان-.

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم


أفكر كثيرا حينما أرى الناس يلتفون حول الطغاة وأهل الباطل ويستمعون إليهم ويتأثرون بما يلقون إليهم من الضلالات؛ في حين أن هناك أصنافا من أهل الحق ينظر الناس إليهم نظرَتهم إلى مجرمين أو أصحاب سوء، رغم سلامة معتقدهم وغزارة علمهم وصفاء منهجهم الذين يسيرون عليه!

وبعد طول تأمل في هذا الموضوع الذي حِرت في أمره برهة من الزمن أدركت أن أولئك الطغاة وأهل الباطل يمتلكون مهارات معينة يجذبون بها الناس إليهم وإلى سماع ضلالاتهم؛ فهم يحسنون فن التعامل مع الجمهور، وفن الإقناع، وفن التأثير في المخاطب، كما يمتلكون الخطاب بمنطق ساحر يقلبون به الباطل حقا والحق باطلا، بالإضافة إلى ما عندهم من الخلق الحسن والحكمة والحلم والأناة وسعة البال والمجاهدة في ترويج بضائعهم الفاسدة بشتى الطرق والأساليب المقبولة لدى الناس.

ولو أتينا إلى جانب الفريق الآخر الذين في الحقيقة هم أهل حق وصواب وعلم ومنهج سليم؛ لنجد أنهم بحاجة إلى تحسين تعاملهم مع الجمهور، وإلى ترك أسلوبهم التقليدي الذي يجبرون فيه الخلق على قبول بضائعهم –وإن كانت صالحة- بما يشبه الضرب بالسوط والسيف، بالإضافة إلى فظاظتهم وغلظتهم وشدتهم مع الناس وسرعة انفعالهم وغضبهم، والاستعجال لقطف الثمرة والنصر والتمكين؛ وبذلك نفّروا الناس عنهم، وعن قبول الحق الذي يحملونه، بل كرّهوه إليهم وجعلوه علقما غير مستساغ لشدة مرارته، وهم بذلك أساءوا إلى أنفسهم وإلى الحق الذي يدعون إليه من حيث لا يشعرون.

ورسولنا –صلى الله عليه وسلم– رغم أنه نبي موحى إليه مؤيد بالآيات والبراهين الإلهية؛ احتاج إلى الحكمة وحسن الأسلوب وعظيم الخلق؛ ليقول للناس إن الله حق والإسلام حق، لم يقل للناس بكبرياء وجبروت إما أن تقبلوا ما أتيت به، وإما أن تكونوا من أصحاب جهنم وبئس المصير، بل دعاهم إلى الحق بالرحمة والشفقة والحكمة وحسن البيان والتعامل الأمثل، بالإضافة إلى شدة حلمه وصبره على ما لحقه من الأذى في سبيل دعوته، ولو لم يكن –صلى الله عليه وسلم- على تلك الصفات النبيلة والمعاملة الراقية لما استجاب الناس دعوته رغم أنه نبي، ورغم أن ما دعا إليه حق لا مرية فيه؛ لأن التعامل الراقي وحسن الخلق له دور كبير في إقناع الآخرين وقبولهم لما ألقي إلى أسماعهم؛ ولهذا قال الله –سبحانه وتعالى– مخاطبا نبيه –صلى الله عليه وسلم-: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).

يا من تشتكي ابتعادَ الناس عنك وعن قبول الحق الذي معك ناقش نفسك: هل أنت تجيد فن التعامل مع الآخرين؟ هل تأخذ بمنهج الرسول –صلى الله عليه وسلم– في دعوته من الحكمة وحسن البيان والشفقة والرحمة والحلم والصبر والتحمل حينما تدعو الناس وتتعامل معهم؟

فإن كان الجواب لا فالعيب فيك، وليس في الناس ولا في الحق الذي تدعو إليه؛ فينبغي أن تتعلم الأدب وحسن الخلق وفن التعامل الراقي مع الآخرين قبل أن تنزل في ميدان الدعوة وتسيء إلى نفسك وإلى الحق الذي تحمله وإلى من تدعوهم.


البلد الحرام - الاثنين 1435/10/29