‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاركات علمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاركات علمية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

حدود الحرم وأهمية معرفتها


قال النووي: "واعلم أن معرفة حدود الحرم من أهم ما ينبغي أن يعتنى ببيانه؛ فإنه يتعلق به أحكام كثيرة".

المعظم للبلد الحرام لا بد أن يكون على علم ومعرفة بحدوده الشرعية التي نصبها الخليل –عليه السلام- بعد أن بينها له جبريل –عليه السلام-؛ حتى يتمكن من الاحتراز من انتهاك حرمة الحرم، وتحري أماكنه ليقوم فيها بالأعمال الفاضلة، ومن أعظمها الصلاة التي ثبتت مضاعفة أجرها بالحرم بأدلة خاصة؛ فما كان داخل هذه الحدود من المساحات هو البلد الحرام، وهو الحرم الذي ثبت تحريمه بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة.

وتحريم البلد الحرام ليس من قبل البشر على الراجح، وإنما هو من قبل الله –سبحانه وتعالى-؛ حيث حرمه منذ أن خلق السماوات والأرض، روى البخاري ومسلم بسندهما عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعةً من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة).

وأما الخليل –عليه السلام- فإنه إنما أظهر هذا التحريم الذي كان ابتداؤه من قبل الله –تعالى-؛ إذ إنه لم يكن معلنًا عنه قبل أن يظهره الخليل؛ فلذا ثبت في السنة أنه حرّم مكة، روى الشيخان بسندهما عن عبد الله بن زيد –رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة...)؛ فيكون التحريم المنسوب إلى الله –تعالى- هو تحريم ابتداء، والمنسوب إلى الخليل –عليه السلام- هو الإعلان عن هذا التحريم وإظهاره للناس.

وحدود البلد الحرام من الطرق الحديثة –كما بينها الشيخ عبد اللطيف القرني في مبحث (الحرم المكي ومضاعفة الأجر فيه)، والذي نشره موقع الدرر السنية = هي ما يأتي:
1 – من طريق جدة السريع: (21كم): من جدار المسجد الحرام الغربي من باب الملك فهد وحتى العلمين الجديدين على الطريق.

2 – من طريق الليث اليمن الجديد (20كم): من جدار المسجد الحرام الجنوبي وحتى العلمين الجديدين على الطريق.

3 – من طريق الطائف الهدى الجديد (14.600كم): من جدار المسجد الحرام الجنوبي وحتى العلمين الجديدين على الطريق السريع (الطائف الهدى) بالقرب من جامعة أم القرى.

4 – من طريق الطائف السيل السريع (13.700كم): من جدار المسجد الحرام الشرقي وحتى العلمين الجديدين على طريق الطائف.


هذه هي حدود البلد الحرم التي ينبغي لأهل مكة معرفتها لارتباطها بكثير من الأحكام الشرعية، ولتفادي الوقوع في المحاذير الشرعية بداخل حدود الحرم؛ فالمعصية فيها من المنكرات العظيمة، كما يشير إليه قوله –تعالى- في محكم التنزيل: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، فإن كانت إرادة المعصية بمكة فيها هذا العذاب ففعل المعصية فيها لا شك أنه يكون عذابه أشدَّ وأنكى.

حقيقة الشاذروان وحكم الطواف عليه


الشاذروان –كما في المصباح المنير- بفتح الذال وإسكان الراء من جدار البيت الحرام، وهو الذي تُرك من عرض الأساس خارجا، ويسمى تأزيرا؛ لأنه كالإزار للبيت.

وقال بعضهم إنه فيما يظهر مأخوذ من كلمة "شوذر" الفارسية، ومعناها الإزار.

وهو في الحقيقة بناء بنته خزاعة حول البيت؛ ليكون حصنا له يدفع عنه السيل؛ وذلك بعد أن هجم على أهل مكة سيل عظيم، ودخل المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة، ورمى بالشجر بأسفل مكة كما ذكر ذلك الأزرقي في أخبار مكة.

قال الكردي في التاريخ القويم: "أصل الشاذروان من عمل خزاعة حينما كان أمر الكعبة إليها؛ بنته حولها ليحصنوها من السيل، وأن هذا البناء بقي على حاله حتى بناء قريش للكعبة، وأنه كان في بناء عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- بدون شك، وعلى نفس الأساس الأول الذي كشفه ابن الزبير، والحجاج الثقفي لم يتعرض للشاذروان مطلقا حينما هدم الكعبة".

والشاذروان الآن مبني من الرخام في الجهات الثلاث ما عدا جهة الحِجْر، ومثبت فيه حلقات يربط فيها ثوب الكعبة المشرفة، ولا يوجد هذا البناء أسفل جدار باب الكعبة المشرفة كما بين ذلك بعض المصادر.

ما حكم الطواف على الشاذروان؟

يقول الإمام ابن عثيمين –رحمه الله– في الشرح الممتع: "الشاذروان هو السوار المحيط بالكعبة من رخام في أسفلها كالعتبة، وكان من قبل مسطحًا يمكن أن يطوف عليه الناس، فإذا طاف عليه إنسان فإنه لا يصح طوافه؛ لأن الشاذروان من الكعبة، وقد قال –تعالى-: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، ولم يقل في البيت، ولو قال: في البيت صح الطواف من دون الحجر وعلى الشاذروان، لكن قال: بالبيت، والباء للاستيعاب، فالطواف بجميع الكعبة واجب.

لكن بعض الخلفاء -جزاه الله خيرًا- جعله مُسَنَّمًا كما يشاهد الآن، فلا يمكن الطواف عليه فمن صعد عليه ليطوف زلق؛ لأنه مزلة.

لكن لو فرض أن رجلًا أحمق قال لصاحبه سأعتمد على كتفك، وأطوف على الشاذروان فلا يصح؛ لأنه من البيت، وهذا ربما يقع في أيام الزحام فيطوف الإنسان على الشاذروان ويتكئ على أكتاف الناس، لكن -الحمد لله- لم يحصل ذلك فيما نعلم  ...".

هذا رأي الإمام ابن عثيمين –رحمه الله-؛ فهو يرى عدم صحة الطواف على الشاذروان؛ لأنه من البيت، وهناك علماء آخرون يرون صحة الطواف على الشاذروان؛ لأنه ليس من البيت على رأيهم، يقول ابن تيمية –رحمه الله– في مجموع الفتاوي: "ولو وضع يده على الشاذروان الذي يربط فيه أستار الكعبة لم يضره ذلك في أصح قولي العلماء، وليس الشاذروان من البيت، بل جعل عمادًا للبيت‏".‏

وسواء قلنا إن الشاذروان من البيت أو لا فإنه لا يمكن الطواف عليه حاليا؛ إذ إنه بني بشكل يمنع الواحد المشي أو الوقوف عليه كما أشار إلى ذلك الإمام ابن عثيمين –رحمه الله-.

ويظن بعض الناس أن الشاذروان هو الحطيم، وهذا غير صحيح، فالشاذروان هو ما ذكرنا البناء المسنّم حول الكعبة ما عدا جهة الحجر وأسفل جدار باب الكعبة، وأما الحطيم فأشهر ما يطلق عليه هو الحِجْر، والمشهور عند العامة بحجر إسماعيل، وليس الشاذروان مما يطلق ذلك عليه.



"تحدي الثلج" من منظور شرعي وصحي وإنساني


انتشرت هذه الأيام ظاهرة "تحدي الثلج"، وطريقته أن يسكب الشخص سطلا من الماء والثلج على نفسه مع القيام بتصوير ذلك ونشره في مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يختار ثلاثة أشخاص لهم خياران خلال أربع وعشرين ساعة فحسب؛ فإما أن يقوموا بــ"تحدي الثلج"، أو يتبرعوا بـ (100) دولار لصالح مرضى التصلب الجانبي الضموري (ALS).

وكانت بَداءة تحدي الثلج -على إحدى الروايات- أن الأمريكي كريس كينيدي البالغ من العمر ستة وعشرين ربيعا تحداه صديق له أن يقوم بتحدي الثلج حتى يتمكن من اختيار مؤسسة خيرية للتبرع لها بالمال، فقام فعلا بالتحدي وتبرع لمؤسسة (
Amyotrophic lateral sclerosis) أو (ALS)، والتي تعنى بالمصابين بمرض التصلب الجانبي الضموري، وهو مرض خطير جدا يقوم بالقضاء على الخلايا العصبية، واختار هو تلك المؤسسة بالذات؛ لأن قريب زوجته مصاب بهذا المرض منذ إحدى عشرة سنة -على ما أفاده تصريحه-.

وهناك رواية أخرى تفيد أن صاحب الفكرة ليس كينيدي، وإنما شخص أخر لقي حتفه غرقا قبل أيام بعد أن جمع لصالح المؤسسة نفسها قرابة مائة ألف دولار.

وكينيدي -أو الغريق هذا- صور نفسه عند القيام بالتحدي ونشر المقطع في وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح يقلده أصحابه وأقرباؤه حتى لقيت الفكرة إعجاب المشاهير من الغربيين، وبدأوا هم كذلك يقومون بالتحدي والتصوير ونشر المقاطع في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن هنا كان الانتشار الكبير لـــ"تحدي الثلج".

هذه مقدمة يسيرة جعلتها للتعريف بحقيقة هذه الظاهرة، وكيفية نشأتها، والآن أدخل إلى صلب الموضوع الذي أردت الحديث عنه، وهو:

أن هذه الظاهرة بدأت تنتشر في بلاد المسلمين، ويقلدها أبناؤنا من الكبار والصغار؛ فهل يجوز لنا -بصفتنا مسلمين– فعل ذلك؟ ألا يدخل هذا في باب تقليد الكفار والتشبه بهم؟ ألا يوجد هناك أضرار صحية تصيب من يقوم بهذا التحدي؟

بعد البحث والدراسة تبين لي أن هذا الفعل فيه عدة محاذير شرعية وصحية ومخالفة سلوكية؛ فأما المحاذير الشرعية فإن فيه تقليدا للكفار فيما هو من خصائصهم، والرسول –صلى الله عليه وسلم– قال كما في سنن أبي داود: (من تشبه بقوم فهو منهم)، والتشبه بالكفار أن تفعل شيئا يختص بالكفار، يقول شيخنا ابن عثيمين –رحمه الله– في مجموع الفتاوى (ج3 باب الولاء والبراء): "مقياس التشبه أن يفعل المتشبِه ما يختص به المتشبَه به، فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئًا من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهًا، فلا يكون حرامًا من أجل أنه تشبه، إلا أن يكون محرمًا من جهة أخرى. اهـ.

وهنا صاحب الفكرة ومن طبقها أولا كافر، ومن أتى بعده للقيام به كلهم مشاهير من الكفار، ثم يأتي المسلم ويقلدهم، أين الغيرة والاعتزاز بالدين؟!

والأمر الثاني من المحاذير الشرعية أن ما كان لله من الصدقة والتبرع ينبغي للمسلم أن يخرجه بطيب نفسه، ولا يخرجه وهو كالمكره والمجبر على إخراجه؛ فإن ذلك من صفات المنافقين، قال السعدي في تفسير قوله –تعالى- (وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ): "من غير انشراح صدر وثبات نفس، ففي هذا غاية الذم لمن فعل مثل فعلهم، وأنه ينبغي للعبد أن لا يأتي الصلاة إلا وهو نشيط البدن والقلب إليها، ولا ينفق إلا وهو منشرح الصدر ثابت القلب، يرجو ذخرها وثوابها من الله وحده، ولا يتشبه بالمنافقين" ا.هـ.


وهذا الذي يتبرع هنا ليس من تلقاء نفسه، بل بأمر أو إشارة من شخص آخر، هذا أولا، ثانيا أنه يقوم بالتبرع عند عدم القدرة على القيام بالتحدي؛ مما يدل على أنه كالمجبر على إخراج المبلغ المتبرع به.

يقول العلامة الطريفي –حفظه الله– مبديا رأيه حول هذه المسألة – كما نشرته صحيفة تواصل-: "الصدقة والزكاة والمعونات تستخرج من الناس بالوسائل المشروعة ترغيبًا بفضلها وترهيبًا من عاقبة تركها على الإنسان والناس في الدنيا والآخرة، وأما استخراجها بوسائل الإلزام النفسي (والتحدي) أمام الجماهير بأي أسلوب كان؛ فهذا لا يليق إقحام أعمال البر العظيمة وخاصة الصدقة".

وبنى –حفظه الله- رأيه على ما يأتي:

"أولاً: أن الصدقة والنفقة تتشوف الشريعة إلى إخراجها بطيب نفس خالص وإخراجها بغير ذلك من صفات المنافقين، قال –تعالى-: (وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)، ومعنى التحدي لسكب الثلج أن من خاف من الثلج يتصدق؛ فتصدق خوفًا ورهبة، وقد نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن النذر؛ لأن فيه إلزام الإنسان من غير طيب نفس، وهذا يربي على البخل؛ وأما الشريعة فتحث على المبادرة كما في الصحيحين عن ابن عمر –رضي الله عنهما– أنه قال: (نهى رسول الله
عن النذر وقال إنما يستخرج به من البخيل).

ثانيًا: أن من هذه الأفعال ما يورث خطورة على النفس؛ فالبرودة الشديدة لا تتحملها كل الأجسام، وقد يهلك الإنسان ويموت بسببها وهذا إهلاك للنفس.

ثالثًا: أن الطرق الشرعية غنية عن سبل الإنفاق التي يقلد بها الأمم، ففي أساليب القرآن والسنة كفاية، ونصوص الحث والترغيب بالإنفاق متواترة.

رابعًا: يُجمع العلماء على أن المال الذي يؤخذ بسيف الحياء منهي عنه، فيحرج الإنسان لاستغلال غلبة حيائه الفطرية؛ ليؤخذ ماله ولو نفقة أو بيعًا أو هدية وهبة، ويجب أن يحيا في نفوس الناس البذل وتؤخذ الزكاة من الأغنياء وتسهل الوسائل للإنفاق والبذل، وتكثر الجمعيات الخيرية والتضييق على ذلك يفتح أبواب الاجتهاد الخاطئ.

خامسًا: أن تقليد الغرب وما جاءوا به هو تتبع لسننهم الخاطئة رغم وجود المحفزات الشرعية في ديننا، وفي ذلك مصداق لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا بذراعٍ حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم). قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟)".

والأمر الثالث من المحاذير الشرعية أنه يجب على المسلم أن يجتنب الرياء في عباداته وصدقاته، وما يقوم به هؤلاء من تبرعهم وتصويرهم ذلك ثم نشرهم في مواقع التواصل الاجتماعي أمر لا يخلو من الرياء والسمعة، يقول –صلى الله عليه وسلم- كما في سنن ابن ماجه: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟. قال: قلنا: بلى، فقال: الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر رجلٍ).

والأمر الرابع من المحاذير الشرعية أن هذا الأمر فيه تبذير وإسراف وهدر للماء والمال؛ أما الإسراف في الماء وهدره فواضح، وهو أنه يسكب هذا الصافي من غير فائدة ولا حاجة، وكم من شخص يقوم به في العالم، وأما المال فهدره يكون بصرفه في شراء المكعبات الثلجية التي توضع على رأس المتحدي.

فهؤلاء المسرفون لم يقدروا النعمة العظيمة التي هم عليها وفقدها كثير من الناس حول العالم، وهذه إحصائية نشرتها صحيفة (الآن) تبين حجم المعاناة الكبيرة من أزمة نقص الماء العذب، وبخاصة النقي منه:
"نحو 783 مليون إنسان محرومون من المياه في العالم، و 438 منهم في قارة أفريقيا وحدها.

- 780 مليون إنسان يعانون نقصًا في المياه النظيفة، أي شخص من كل تسعة أشخاص في العالم.

- 3.4 مليون شخص يموتون بأمراض ناجمة عن تلوث المياه، أي ما يعادل سكان مدينة لوس أنجلوس الأميركية، وما يقارب 99 في المئة من الوفيات تحدث في الدول النامية.

- أزمة المياه والصرف الصحي تؤدي إلى وفاة الأشخاص بالأمراض بنسبة أكبر من تلك التي تؤديها أي حرب بالأسلحة.

- يموت طفل جراء أمراض ناجمة عن المياه كل 21 ثانية.

- تقضي النساء 200 مليون ساعة لجمع المياه يومياً.

- عدد وفيات الأطفال نتيجة عدم الحصول على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي تساوي عدد ضحايا تحطم طائرة 'جامبو' كل أربع ساعات.

- نحو 60 مليون شخص ينتقلون للعيش في المدن كل عام، ومعظم هؤلاء يعيشون في الضواحي والأحياء الفقيرة؛ حيث لا توجد خدمات الصرف الصحي" ا.هـ.

فلو فكرنا في الجانب الإنساني وما يعانيه هؤلاء الأعداد الكبيرة -من سكان العالم- من أزمة نقص المياه العذبة وعدم حصول الكثير منهم على المياه النقية؛ لندرك أن هؤلاء الذين يقومون بهذا الفعل لا يحملون الشعور الإنساني المطلوب تجاه هؤلاء الفقراء والمساكين في العالم.

هذا ما سبق فيما يتعلق بالمحاذير الشرعية، وأما المحاذير الصحية التي يرتكبها من يقوم بـــ"تحدي الثلج" فقد قال عنها استشاري وأستاذ أمراض القلب وقسطرة الشرايين الدكتور خالد النمر: "إن سكب كميات كبيرة من الماء المثلج هو جهد للقلب قد يسبب جلطة القلب".

وقال أيضا: "سكب كمية كبيرة من الماء المثلج على الشخص هو جهد للقلب لا يتحمله كل شخص، وقد يسبب الجلطة القلبية فيمن لديه تضيق شرايين أو قابلية للانقباض".

وتصريحه هذا نشرته صحيفة الآن.

وجاء في منشور آخر نشرته صحيفة الرأي بعنوان (احذر تحدي دلو الثلج):

"أن هذه المنافسة تسبب انخفاضا مفاجئا في درجة حرارة الجسم، وهذا يتسبب في حصول ما يسمى بردود الفعل على الصدمات الباردة.

كما يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة للمشاركين من الفئات الضعيفة، بما في ذلك كبار السن والحوامل والأشخاص المصابين بأمراض القلب، والذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم.

كما أن سكب الماء المثلج يمكن أن يتسبب في انخفاض ضغط الدم بشكل حاد؛ مما يؤدي إلى الاغماء.

ويستخدم الماء المثلج في التحدي لتقليد حالة الجمود التي يعانيها مرضى التصلب الضموري (
ALS)، كما أن هذا يؤدي لحدوث اضطراب وعدم انتظام في دقات القلب بعد حبس الأنفاس ب 10 ثواني، خاصة لمن يعانون من مشاكل سابقة فيه، ويمكن أن تؤدي في أسوء الحالات لتوقفه، وهذا يعني فقدان الحياة".

وجاء في المنشور أيضا: "ومن المتوقع أن يحدث خلال الأيام التالية نعاس واستفراغ وصداع، كما أن سكب الثلج يمكن أن يسبب رضوضا وإصابات في الرأس خاصة وإن كان في
أحجام كبيرة بعض الشيء، ففي هذه الحالة يجب إعادة وضع الثلج على الأماكن المصابة، وإن لزم الأمر يفضل مراجعة المستشفى للتأكد لخلو الرأس من الكسور.

كما أن سكب الماء المثلج يسبب صعوبة في الشهيق، أو ما يسمى بالشهيق السطحي. وهناك حالات أخرى تتسبب في شهيق عميق دون القدرة على الزفير لحظة الدخول إلى المياه الباردة بشكل مفاجئ.

فبخضوع عمل الرئتين إلى الجهاز العصبي غير الإرادي، فهي تتأثر بعملها بما يسمى الأفعال الانعكاسية، والتي تخرج عن سيطرة الجهاز العصبي الإرادي، وعند الدخول في المياه الباردة وبشكل مفاجئ فإن تلك الصدمة تؤدي إلى ما يسمى اللهاث غير الإرادي؛ مما يؤدي إلى سطحية الشهيق، وثم الشعور بالاختناق؛ وذلك بسبب عدم القدرة على الحفاظ على هواء الشهيق بسبب اللهاث الذي يؤدي إلى الزفير غير الطوعي.

والأمر بمجمله له علاقة بما يسمى بـ الهايبوثيرميا -أي انخفاض درجة حرارة الجسم إلى دون المعدل الطبيعي-؛ مما ينتج رد الفعل الانعكاسي، والذي يؤدي إلى ارتباك عملية التنفس المنتظمة بين الشهيق والزفير؛ حيث إن الجسم -وكونه حالة دفاعية لانخفاض درجة حرارته- يقوم بضخ الكمية الكبرى من الأوكسجين إلى أجزائه بهدف رفع درجة الحرارة، وعليه فإن الرئتين تقوم بدفع كمية كبرى من ذلك الأوكسجين إلى القلب الذي يقوم بدوره بزيادة نبضاته؛ لدفع الكمية الكبرى من الدم عبر الشرايين؛ وهنا يحدث الخلل في عملية الشهيق والزفير بسبب أن الرئتين تمتنع عن دفع الهواء الى الخارج، مما يتسبب في خلل في عملية الشهيق اللاحقة".

هذا فيما يتعلق بالمحاذير الصحية، وأما المخالفات السلوكية فمثل هذا الفعل والتصرف لا يمكن أن نتحمله من أطفالنا؛ لأنه أمر لا تقبله الفطر السليمة، فكيف بأشخاص كبار بالغين عاقلين، بل أرباب أسر ومربين؛ يقدمون على ذلك ويتبجحون به ويفتخرون أمام مرأى العالم؟!

نعم قد يحصل أحيانا من باب الممازحة في الرحلات والطلعات، ومثله أمور كثيرة تحصل بين الخواص، أما أن يقوم الشخص بفعله ويصوره ويقوم بنشر المقطع المصور أمام العالم، ويطلب فيه من أناس آخرين أن يقوموا بما قام به؛ فهذا –في رأيي- يُعد قلةَ مروءة وسماجة لا ينبغي أن يقدم عليه المرء وإن سلم من المحاذير الشرعية والصحية؛ فكيف الآن وقد تبين لنا وجود تلك المحاذير فيه؟!


البلد الحرام - الخميس 1435/2/11

نزول المسيح عيسى -عليه السلام– في آخر الزمان حق لا ريب فيه!


رأيت بعض شبابنا وقعوا في فخاخ بعض شياطين الإنس المدعين للعلم والمعرفة، وهم في الحقيقة جهلة أو معاول هدم يستخدمها إبليس وأعداء المسلمين لهدم دينهم وتخريب عقيدتهم!

أشفقت على حال هؤلاء عندما رأيتهم انخدعوا بأولئك المجرمين الذين سخّروا أنفسهم لتضليل المسلمين، وخاصة شبابهم الذين لم يتسلحوا بسلاح العلم الذي يمكنهم من التمييز بين الحق والباطل، ومن رد شبهات الخبثاء المغرضين الذين يلقونها على الناس للتشكيك في الإسلام وعقيدة المسلمين.

لم أكن أتوقع أنه يأتي يوم أجد فيه مثل هؤلاء من شباب المسلمين ينكرون مثل ما رأيت من مسلّمات الدين متأثرين بأعدائهم المجرمين! لكني للأسف رأيت ورأى غيري من جلّاسي وجلّاسهم.

نعم، يتوقع من الشباب أن يقعوا في بعض المعاصي والمنكرات، والشهوات والملذات المحرمة؛ بتأثير بيئتهم التي يعيشون فيها، أو بسبب ضعف الوازع الديني، وهي في الأخير كلها شهوات يعلمون وقت الوقوع أنهم فيها مخطئون، فيتوبون إلى الله – تعالى - ويستغفرون.

لكن الذي رأيته من هؤلاء لا يندرج تحت باب الشهوات، بل هي عقائد يؤمن المرء بأنها هي الحق الذي يجب اتباعه، وأن ما عداها باطل يجب اجتنابه، وينبني على ذلك الحرص على التمسك بذلك، والدفاع عنه باستماتة، ودعوة الناس إليه، والتعبد لله به، والثبات عليه حتى الموت ما لم يوفقه الله للرجوع إلى الحق قبل الممات.

قد رأيتهم ينكرون بعض علامات الساعة –يوم القيامة- التي لا يجرؤ مسلم يخاف الله –عز وجل– على إنكارها؛ لصحة الأدلة التي ثبتت في ذلك، وخاصة في نزول المسيح عيسى –عليه السلام– في آخر الزمان!

ينكرون ذلك معتمدين على قول بعض الجهلة في هذا الزمان –عاملهم الله بما يستحقون-، وضاربين كل الأحاديث الصحيحة وتفاسير الأئمة وأقوال جهابذة علماء الإسلام من المحدثين والفقهاء؛ عُرض الحائط.

إن نزول المسيح عيسى –عليه السلام– في آخر الزمان أمر ثابت بأحاديث صحيحة متواترة كما بين ذلك أهل العلم قديما وحديثا؛ وهو من مسلمات عقيدتنا – نحن المسلمين-، ولا ينكره إلا جاهل أو مغرض أخفى شرا وخبثا في نفسه، ومما ورد من الأحاديث في ذلك:
ما رواه البخاري ومسلم بأسانيدهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها)، ثم يقول أبو هريرة: "واقرأوا إن شئتم: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا).

وما روياه أيضا بسندهما عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟).

وما رواه مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما– أنه قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)، قال: (فينزل عيسى ابن مريم -صلى الله عليه وسلم- فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة).

وغير ذلك من الأحاديث التي بلغ عددها أكثر من سبعين حديثا كما ذكره المحدث محمد أنور شاه الكشميري، يقول الغماري في "عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى -عليه السلام-": " وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى -عليه السلام- الشيخ محمد أنور شاه الكشميري في كتابه "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" فذكر أكثر من سبعين حديثًا".

وقد أجمع علماء الإسلام على ذلك ولم ينكره إلا الطوائف الضالة المنحرفة، كالقاديانية ومن سار على دربهم، قال السفاريني في "لوامع الأنوار البهية": "فقد أجمعت الأمة على نزوله –أي عيسى عليه السلام-، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء وإن كانت النبوة قائمة به وهو متصف بها ... ".

وهذه طائفة من أقوال أهل العلم في نزول المسيح -عليه السلام- والأحاديث الواردة في ذلك:
قال ابن كثير في تفسيره بعد سرد أحاديث نزول المسيح –عليه السلام-: " فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من رواية أبي هريرة، وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية، وأبي سريحة، وحذيفة بن أسيد - رضي الله عنهم - ... ".

وقال العظيم آبادي في "عون المعبود": " تواترت الأخبار عن النبي –صلى الله عليه وسلم- في نزول عيسى بن مريم –عليه السلام- من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة. قال النووي: قال القاضي: نزول عيسى -عليه السلام- وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله؛ فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله –تعالى-: (وخاتم النبيين)، وبقوله –صلى الله عليه وسلم-: (لا نبي بعدي)، وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ؛ وهذا استدلال فاسد لأنه ليس المراد بنزول عيسى -عليه السلام- أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا، أي في كتاب الفتن وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس انتهى. وفي فتح الباري تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى -عليه السلام- يصلي خلفه. وقال الحافظ أيضا الصحيح أن عيسى رفع وهو حي انتهى. وقال الشوكاني في رسالته المسماة بـ "التوضيح في تواتر ما جاء في الأحاديث في المهدي والدجال والمسيح": وقد ورد في نزول عيسى -عليه السلام-من الأحاديث تسعة وعشرون حديثا، ثم سردها وقال بعد ذلك: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع؛ فتقرر بجميع ما سقناه أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى -عليه السلام- متواترة انتهى". وبه انتهى ما قصدت نقله من كلام العظيم آبادي –رحمه الله-.

وقال أحمد شاكر في إحدى حواشيه بتفسير الإمام الطبري عند تحقيقه له: " نزول عيسى -عليه السلام- في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار المتواترة الصحاح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك.

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره طائفة طيبة منها، ... وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره".

وقال الألباني –رحمه الله- في تحقيق "شرح العقيدة الطحاوية": "اعلم أن أحاديث الدجال ونزول عيسى -عليه السلام- متواترة يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد؛ فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها، ولو فعل لوجدها متواترة كما شهد بذلك أئمة هذا العلم، كالحافظ ابن حجر وغيره، ومن المؤسف حقًا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دين وعقيدة!

وإن من هؤلاء أخيرًا المدعو عز الدين بليق في كتابه "موازين القرآن والسنة" الذي زعم فيه تقليدًا لغيره ممن لا معرفة عنده بهذا العلم؛ أن روايات نزول عيسى بعد الدجال إنما هي من رواية وهب بن منبة وكعب الأحبار؛ وهذا اختلاق محض؛ فلا وجود لهما في شيء منها مطلقًا، وقد كنت قديمًا خرجت نحو أربعين حديثًا ليس لهما فيها ذكر!".

فالأحاديث المتواترة دالة على نزول المسيح –عليه السلام-، والإجماع منعقد على ذلك، وكلام العلماء قديما وحديثا فيه معلوم بالإثبات؛ وبعد هذا كله يأتي أحدنا ليستمع إلى جاهل مركب أو خبيث دجال ويأخذ بقوله المنكر للنزول ويتمسك به ويجعله هو الحق الذي لا مرية فيه!

أين عقل هذا؟ وماذا يفعل بتلك الأدلة الثابتة وبالإجماع وكلام العلماء وروايات الصحابة؟! أيهون ذلك كله عنده لأجل قول ذلك البغيض؟!

لا أظن أن هؤلاء المخدوعين بأولئك الجهلة أو الأفاكين يكلفون أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة عندما يسمعون منهم الأكاذيب والأساطير، وعندما يلتقطون الغرائب والشواذ من ألسنتهم، ولو فعلوا ذلك لما وصلوا إلى هذه الدرجة من الضلال والانحراف العقدي.

أسأل الله –عز وجل– أن يهدينا جميعا إلى الحق، ويسلمنا من شر الأشرار وكيد الفجار، ومن شبهات المغرضين وفخاخ الخبيثين؛ إنه سميع مجيب.

البلد الحرام - الاثنين 18 – 2 – 1437هـ