‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاركات عن جاليتي وقضيتي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاركات عن جاليتي وقضيتي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

ذهبت الرجولة وماتت الغَيرة!!


في أراكان يأتي بوذي أو بوذيان من المجرمين ويمارسون ظلمهم ضد مجموعة أكثر منهم عددا من إخواننا -وفيهم شيوخ وشباب– ويرجعون بعد قضاء وطرهم دون أن يحرك أحد منهم ساكنا، وكأنه لم يحصل أي شيء يذكر!!

وهنا في حاراتنا يشتكي كثير من بني قومنا من بعض الظالمين الذين يعاكسون فتياتنا ويختطفونهن أمام مرأى الجميع!!

لعل كثيرين منا ينظرون في مثل هذه الصور إلى من ظلم وطغى وإلى سوء فعاله وقساوة قلبه وفساد سلوكه، لكن نظرتي تختلف عنهم؛ فأنا لا أنظر إلى المجرم بقدر ما أنظر إلى هؤلاء الذين تركوا المجرم يفعل ما يشاء أمام أعينهم! كيف يعاكس هذا المجرم -وهو شخص واحد- أختَك أو قريبتَك أو جارتَك أو ابنةَ جماعتك ويضايقها ويلحق بها الأذية والضرر؛ وأنت ومن معك في الحي مجموعة كبيرة من الشيوخ والشباب كان باستطاعتكم الدفاع عنها وردع الظالم بأي صورة من صور الردع التي لا يجّرم صاحبها، وبخاصة في مقام الدفاع وحماية المظلوم؟!

كان الأمر الذي تتطلبه المروءة والفطرة والغَيرة أن تؤدبوا هذا المجرم تأديبا لن ينساه طَوال حياته، ويكون ذلك رسالة له ولمن بعده من المجرمين مفادها أن بناتنا وفتياتنا خط أحمر يجب تجنبهن وعدم الاقتراب منهن، ومن حاول مس كرامتنا بالإساءة إلى بناتنا فإن جزاءه مثل هذا أو أشد تنكيلا.

أكثر الطغاة والمجرمين نصنعهم بأيدينا ويظهرون بسبب سكوتنا الناجم عن الخوف والجبن، يظهرون عندما يرون من أمامهم أناسا بلا عقول، وعبيدا بصورة الأحرار، ونساء بثياب الرجال!!

ولو كان موقف رجال حاراتنا بصورة الرجال الحقيقيين أمام هؤلاء المجرمين لما اقتربوا من بناتنا حتى في أحلامهم، لكن للأسف ... ماتت الرجولة ... ماتت الشجاعة ... ماتت الغَيرة، يقول ابن القيم –رحمه الله- في الجواب الكافي: (إن أصل الدين الغَيْرة، ومن لا غيرة له لا دين له؛ فالغَيْرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغَيْرة يميت القلب، فتموت له الجوارح؛ فلا يبقى عندها دفع البتة، ومثل الغَيْرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلًا، ولم يجد دافعًا فتمكَّن؛ فكان الهلاك، ومثلها مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وولده، فإذا تكسرت طمع فيها عدوه).



البلد الحرام - الاثنين 1435/11/13 

حقيقة معنى الجالية


إن أصل كلمة (الجالية) من (جَلا يَجلُو جَلاءً فهو جالٍ)، بمعنى أنها جمع لكلمة (جَالٍ)، والجالي -كما بينته كتب اللغة العربية- أنه من جلا عن وطنه، أي خرج منه، وهو اسم فاعل لـ (جلا).

و(الجالية) لها لغتان: اللغة المعروفة، وهي (الجالية). واللغة الثانية (الجالّة)؛ فالأولى (الجالية) من (جَلا يَجلُو جَلاءً)، والثانية (الجالّة) من (جلّ يجِلّ جُلولا).

وتطلق هذه الكلمة على أهل الذمة؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم– أجلى بعض اليهود من المدينة، ثم أجلى الفاروق عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– بقية أهل الكتاب من جزيرة العرب عامة امتثالًا لأمر النبي –صلى الله عليه وسلم-؛ حيث قال كما في الصحيحين: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ... )؛ فلزم هذا الاسم هؤلاء الذين أُخرجوا من أهل الكتاب من المدينة ومن جزيرة العرب أينما حلوا، ثم لزم كل من لزمته الجزية منهم في كل بلد، وإن لم يجلوا عن أوطانهم.

وكما تطلق كلمة (الجالية) على أهل الجزية؛ تطلق أيضًا على الجزية نفسها، يقال: اُستعمل فلان على الجالية، والمقصود بذلك: اُستعمل على الجزية.

ويفيدنا ما سبق أن هذه الكلمة تطلق ويراد بها أحد أربعة معان:
الأول: الذين خرجوا من أوطانهم باختيارهم أو الذين أُخرجوا منها بغير اختيارهم.

الثاني: أهل الكتاب، وخاصة اليهود الذين أخرجهم النبي –صلى الله عليه وسلم– من المدينة، وأخرجهم عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– من جزيرة العرب.

الثالث: أهل الذمة عامة وإن لم يخرجوا من أوطانهم.

الرابع: الجزية.

هذه المعاني الأربعة كانت مستعملة في العصور السابقة، وأما في عصرنا الحالي فإن كلمة (الجالية) تطلق ويراد بها في الغالب الناس الذين يعيشون في بلد غير بلدهم الأصلي؛ فمن هنا يقال للمصريين أو البورميين الذين يقيمون في السعودية مثلًا: الجالية المصرية، والجالية البورمية، وكذلك السعوديون الذين يقيمون في بريطانيا يطلق عليهم هناك: الجالية السعودية، وهكذا تطلق هذه الكلمة على كل جماعة تقيم في بلد غير بلدهم الأصلي.

وبعد هذا العرض لمعاني هذه الكلمة في العصور السابقة وفي هذا العصر الحديث؛ أود أن أشير إلى خطأ يرتكبه كثير منا؛ فيقولون: (أخبار الجالية البورمية)، (أحوال الجالية البورمية)، ونحو ذلك من الجمل التي يطلقونها ويقصدون بها أخبار القضية البورمية عامة أو أخبار الروهنجيا على العموم وأحوالهم؛ فلا بد أن تعلم أنك حينما تعلق الموضوع بكلمة (الجالية) معنى ذلك أنه لا يخرج الأمر عن دائرة الناس الذين يقيمون في البلد الذي أطلق عليهم فيه اسم الجالية؛ فإن كنت تريد الروهنجيا عامة فلا بد أن تقول: أخبار الروهنجيا، وأحوال الروهنجيا، وإن كنت تريد القضية الروهنجية عامة فلا بد أن تقول: أخبار القضية الروهنجية، وأحوال القضية الروهنجية، وإن رأيت شخصًا يسعى لنصرة القضية الروهنجية فقل: يهتم بالقضية الروهنجية ويسعى لنصرتها، ولا تقل: إنه يسعى لخدمة الجالية البورمية، وكذلك لا تقل في أخبار الروهنجيا عامة، أو القضية الروهنجية عامة: أخبار الجالية البورمية أو قضية الجالية البورمية.


وهذه طائفة من الشواهد المنقولة من كتب اللغة العربية في معاني كلمة (الجالية):
1-قال إبراهيم الحربي المتوفى سنة 285هـ في "غريب الحديث" (1/128): "أخبرنا أبو نصر عن الأصمعي: يقال: اُستعمل فلان على الجالية والجالة. وتجلله: خذ جلاله. يعني: الجالة الذين جَلَوا (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء).

2-وقال الفارابي المتوفى سنة 350هـ في "معجم ديوان الأدب" (4/43): "يقال: استعمل فلان على الجالية، وهم الذين جلوا عن أوطانهم".

3-وقال الأزهري المتوفى سنة 370هـ في "تهذيب اللغة" (11/127): "ويقال: جلا القوم عن أوطانهم يجلون، وأجلوا ويجلون، وجلوا يجلون، إذا خرجوا من بلد إلى بلد، ومنه يقال: اُستعمل فلان على الجالية والجالّة لغتان.

والجَلاء ممدود مصدر جلا عن وطنه، ويقال: أجلاهم السلطان فأجلوا وجلوا، أي أخرجهم فخرجوا.

وقيل لأهل الذمة: الجالية؛ لأن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- أجلاهم عن جزيرة العرب؛ لما تقدم من أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم؛ فسمو جالية. ولزمهم هذا الاسم أين حلوا، ثم لزم كل من لزمته الجزية من أهل الكتاب بكل بلد، وإن لم يجلوا عن أوطانهم".

4-وقال الجوهري المتوفى سنة 393هـ في "الصحاح" (6/2303): "والجالية: الذين جَلَوْا عن أوطانهم. يقال: استُعمِل فلانٌ على الجالِيَةِ، أي على جزية أهل الذمة. والجالّة أيضًا مثل الجالية".

5-وقال ابن سيده المتوفى 458هـ في "المحكم" (7/206): "وجَلّ القوم عن منازلهم يَجِلّون جُلولا: جَلَوا، ومنه قيل: استعمل فلان على الجالّة وعلى الجالية".

6-وقال الزمخشري المتوفى سنة 538هـ في "أساس البلاغة" (1/145): "واستعمل فلان على الجالية والجالّة، وهم الذين ينهضون من أرض إلى أرض، يقال: جلّ عن البلد جُلولًا بمعنى جلا عنه".

7-وقال نشوان اليمني المتوفى سنة 573هـ في "شمس العلوم" (2/941): "(الجالّة): يقال: استُعمل فلان على الجالية والجالَّة. الجالّة: الذين خرجوا عن البلد".

8-وقال ابن منظور المتوفى سنة 711هـ في "لسان العرب" (11/120): "ومنه يقال: استعمل فلان على الجالية والجالّة، وهم أهل الذمة؛ وإنما لزمهم هذا الاسم لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجلى بعض اليهود من المدينة وأمر بإجلاء من بقي منهم بجزيرة العرب، فأجلاهم عمر بن الخطاب؛ فسموا جالية للزوم الاسم لهم، وإن كانوا مقيمين بالبلاد التي أوطنوها".

9-وقال الفيومي المتوفى سنة 770هـ في "المصباح المنير" (1/105): "جل الشيء يجل –بالكسر- عظُم فهو جليل، وجلال الله عظمته، وجل يجل أيضًا خرج من بلد إلى آخر فهو جال، والجمع جالّة، ومنه قيل لليهود الذين أخرجوا من الحجاز جالّة، وهي جالية أيضًا، ثم نقل الاسم إلى الجزية، وقيل استعمل فلان على الجالة كما يقال على الجالية".

10-وقال الزبيدي المتوفى سنة 1205هـ في "تاج العروس" (37/368): "(والجالية): الذين جَلَوا عن أوطانهم. يقال: فلان استعمل على الجالية، أي على جزية أهل الذمة كما في الصحاح.

وإنما سموا بذلك لأن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أجلاهم عن جزيرة العرب؛ لما تقدم من أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم فسموا جالية، ولزمهم هذا الاسم أين حلوا، ثم لزم كل من لزمته الجزية من أهل الكتاب بكل بلد وإن لم يجلوا عن أوطانهم".

11-وورد في "المعجم الوسيط" (1/132): "(الجالية) الذين جَلَوا عن أوطانهم، وجماعة من الناس تعيش في وطن جديد غير وطنهم الأصلي، وأهل الذمة وكل من لزمتهم الجزية من أهل الكتاب وإن لم يجلوا عن أوطانهم".

12-وورد في "موقع المعاني": "الجالِية: جماعة مِن النَّاس تعيش في وطن جديد غير وطنهم الأَصلي. الجالِية: كل من لزمتهم الجزية من أهل الكتاب وإِن لم يجلوا عن أوطانهم".


البلد الحرام – الأربعاء 1437/5/8 

تقرير عن الحدث الأخير لمسلمي ميانمار


مع حلول هذا اليوم - الثالث من شهر يونيو- نكون قد مررنا بعامين كاملين منذ اندلاع الحدث الأخير لمسلمي ميانمار عام ألفين واثني عشر، والذي بدأت فصوله باغتيال الدعاة المسلمين من قبل متطرفين بوذيين حاقدين؛ حيث قدموا من رانغون إلى إقليم أراكان؛ بهدف تعليم أهلها من الروهنجيا كتاب الله –تعالى-، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومسائل الدين وأحكامه، وعند رجوعهم إلى موطنهم هاجمهم ثلاثمائة شخص من البوذيين بالعصي والهراوات والآلات الحادة، فأنزلوهم من الحافلة التي كانت تقلهم، وضربوهم وعذبوهم حتى فارقوا الحياة، ثم سحلوهم وقطعوا جثثهم إربا إربا!!

وبعد سماع المسلمين نبأ مقتلهم انصدموا من هول الفاجعة وحزنوا حزنا بالغا، وكان لوسائل الإعلام المختلفة دور كبير في نشر الخبر على مستوى العالم، فشَغَل الخبرُ البرامجَ المختلفة من المقروءة المسموعة والمختلفة، وتناوله الناشطون والسياسيون بصفة لم يسبق لحدث من أحداث لمسلمي ميانمار أن حظي بمثل هذا الاهتمام الفريد عبر العصور والقرون.

وللتعبير عن الحزن الذي خيم على المسلمين داخل أراكان تم الإعلان عن تجمع حشد كبير في يوم الجمعة الموافق 10 من شهر يونيو لعام 2012؛ فكانوا كالطعم المجهز للأعداء من البوذيين، حيث أحاطوا بهم من كل جانب، وهاجموهم وقتلوا منهم أعدادا كبيرة جدا، بالإضافة إلى مئات المصابين منهم والجرحى.

ومنذ ذلك اليوم تتابعت هجمات البوذيين على المسلمين في داخل أراكان وخارجها، في مدنهم وقراهم وديارهم، فنتج عن ذلك آلاف القتلى والجرحى، ومئات الآلاف من المهجرين إلى البلاد المجاورة كبنغلاديش، وتايلاند، وماليزيا، وهلاك للمواشي والدواجن، ودمار للقرى والمزارع والمنازل، واعتقال مئات الرجال والشباب ودخولهم في السجون والمعتقلات المظلمة، وبقر بطون الحوامل وقتل الأجنة، واغتصاب آلاف النساء وتعذيبهن وإهانتهن وقتلهن بطرق وحشية بشعة، إلى غير ذلك مما يتعرض له المسلمون في ميانمار، وبخاصة في أركان إلى قتنا هذا!

فهذا اليوم الثالث من يونيو ينبغي لنا –أيها المسلمون في أقطار العالم- أن نجعله ذكرى لمقتل أولئك الدعاة المسلمين، وما تعرض له الروهنجيا من بعدهم من الظلم والاضطهاد وما يتعرضون له إلى هذا اليوم.

نجعله ذكرى تذكرنا بتلك الفاجعة الأليمة؛ لتتحرك ضمائرنا وضمائر المسلمين في أقطار الأرض؛ فيقوموا بنصرة المسلمين هناك، واستعادة حقوقهم، ورفع الظلم الواقع عليهم، والانتقام من المجرمين الذين قاموا بذلك الإجرام ضد الدعاة وغيرهم من المسلمين.
أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، إن مسلمي ميانمار إخوة لكم في الدين والعقيدة، وإنهم يتعرضون لأبشع أنواع الظلم والاضطهاد، والتنكيل والعذاب؛ فماذا أنتم فاعلون؟!

هل شعرتم بالجسد الواحد، ولحمة الدين، ورباط العقيدة؛ لتقوموا بواجب النصرة لإخوانكم الذين يعذبهم المشركون أمام أعينكم، وعلى مسمع منكم؟

هل هناك أمل للضمائر في أن تحيا؟ وهل هناك أمل في يقظة رجال الأمة -الذين علقت بهم الآمال- بعد سباتهم العميق؟

يا أمة الإسلام، إن ليلنا قد طال، وإن الظلام لم يزل محيطا بنا من كل جانب؛ فهل للّيل أن ينجلي لننعم بصباح مشرق؟

وهل للضياء أن يزيل الظلام لنرى نور الحياة والحرية في هذا الكون الفسيح؟!



هلموا نقول بصوت واحد، وبإيمان المؤمنين الصادقين: إنه مهما كان البؤس والشقاء، ومهما طغى الطغاة، وظلم الظالمون، وتجبر المتجبرون، وتخاذل المتخاذلون؛ فإن أملنا في الله كبير؛ إنه نعم المولى، ونعم النصير.

العهد المكي للمسلمين الأوائل درس للروهنجيين


تعيش أمتنا الروهنجية في أراكان حالة عصيبة جدا مع البوذيين وحكومة ميانمار منذ عقود من الزمان؛ فبعد كل سنة أو سنتين نصحو على أخبار أراكانية مؤلمة تُدمع العيون وتُقطع الاكباد، أخبارِ تهجير وتشريد للمستضعفين من إخواننا في أراكان، وحرق لدُورهم وقراهم، ومصادرة لممتلكاتهم، وانتهاك لأعراض نسائهم، وقتل لأطفالهم وشبابهم وشيوخهم؛ كل هذه الجرائم البشعة يقوم بها البوذيون ضد أمتنا المكلومة هناك منذ زمن طويل، وهم ليس لهم حول ولا قوة؛ لأن ينجوا بأنفسهم ويبتعدوا عن شر أعدائهم عباد بوذا.

وفي بعض الأحيان تقوم بعض المجموعات المتطوعة بمقاومة العدوان، لكن سرعان ما تفشل لقلة عَددهم وعُددهم أمام تلك الأعداد البشرية الهائلة من البوذيين ووراءهم حكومة قوية بدولتها وجنودها وأسلحتها وحلفائها من الهند والصين ...

وبالنظر إلى تجارب السابقين من المناضلين منذ عقود يغلب على ظني أنه ليس هناك حل ناجع أمام أمتنا الروهنجية مع هؤلاء البوذيين المجرمين إلا اتباع طريقة العهد المكي للرسول –صلى الله عليه وسلم– وصحابته الكرام –رضي الله عنهم-؛ فالمسلمون ومعهم نبي الله –صلى الله عليه وسلم-كانوا في موقف ضعف شديد أمام المشركين في بَداءة الإسلام، وكانت قوتهم وعددهم لا يقارن ذلك كله بما عند المشركين، ولم يُسلم وقتئذ إلا أشخاص معدودون؛ فلهذا كانت جلساتهم سرية، وعباداتهم مخفية، ودعوتهم للناس إلى الإسلام على انفراد، وليست دعوة عامة علنية.

وبعد أن دخل الإسلامَ جملةٌ من المسلمين وعرف الكفار أمر بعضهم؛ بدأوا في تعذيبهم بألوان من العذاب، والرسول –صلى الله عليه وسلم– بين ظهرانيهم، ويرى كل ذلك ويسمع عنه، ومع ذلك لم يخرج يوما للإنكار والمحاربة بالسيف، ولم يؤمر بذلك من قبل ربنا –جل وعلا-؛ لأن وضعهم تلك الفترة لا يؤهلهم لقتال المشركين ومقاومتهم، بل القتال في ذلك الوقت معناه قتل الإسلام في مهده، وإبادة العُصبة المسلمة بأكملها، أو سبب لردة بعضهم ردة جبرية.

عذبوا بلالا –رضي الله عنه– عذابا شديدا واستمروا في ذلك حتى أعتقه أبو بكر –رضي الله عنه-، وعذبوا آل ياسر عذابا بشعا جدا ولم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم– فعل أي شيء تجاه وضعهم المزري، بل اكتفى بالدعاء لهم، وقد قال عندما رأى الوضع الصعب لآل ياسر ولم يتحمل ذلك ولا استطاع أن يفعل شيئا، قال لهم: "صبرا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة".

وكان هذا ما كان عليه النبي –صلى الله عليه وسلم– في العهد المكي الذي امتد لثلاث عشرة سنة؛ كان ما بين تصبير للمؤمنين المعذبين من قبل الكفار واحتساب الأجر عند الله، وبين تهجير لبعضهم إلى الحبشة مع دعاء الله أن يحسن حالهم، إلى أن هاجر إلى المدينة.

انظروا كيف كانت سنة النبي –صلى الله عليه وسلم– في التعامل مع الوضع في العهد المكي؟

لم يُكوّن جيشا لمقاومة عدوان المشركين لعلمه بأن ذلك أشبه بالمستحيل، ولا كلف المسلمين الذين آمنوا بالله وبرسوله بإظهار الشعائر التعبدية في المجتمع المكي مع وجود الخطورة الشديدة على أنفسهم وأرواحهم، ولا بنى معبدا خاصا بالمسلمين يستطيعون فيه أداء الشعائر التعبدية بسهولة، بل رضي بالأمر الواقع، وأخفى الأمور الدينية وخبأها عن المشركين، وجعل القيام بالأمور الدينية على حسب القدرة والاستطاعة، وعلى حسب أوضاع ذلك المجتمع، ومن انكشف أمرهم من المسلمين وليس لهم ظهر يحميهم ووقعوا في قبضة الكفار؛ لم يتهور في أمر حمايتهم والدفاع عنهم، بل قام يصبرهم ويدعو لهم، وعندما اشتدت الأمور بحيث وصل إلى درجة لا تطاق أمر كثيرا من المسلمين بالهجرة إلى الحبشة، وعندما رأى أن الأمور تزداد سوءا، وليس هناك أمل لإقامة الدين بمكة إقامة صحيحة مع تلك الأوضاع السيئة المحيطة بهم؛ هاجر إلى المدينة التي رأى أن ثراها أفضل مكان من الأمكنة المناسبة لإقامة دولة إسلامية مستقلة تكون منها انطلاقتهم القوية في نشر الخير والنور على أرجاء العالم بما فيها مكة التي هاجر منها، وتحقق له ما أراد –صلى الله عليه وسلم-.

ولم يقل –صلى الله عليه وسلم– إن مكة بلدنا ووطننا لا يمكن الخروج منها ولا التخلي عنها، بل لا بد من إقامة الدين مع تلك الأوضاع السيئة، ولا بد من مقاومة المشركين وإن كان عددنا لا يساوي شيئا أمامهم، وقوتنا خائرة أمام قوتهم المدمرة، أو وإن كان ثمن ذلك روحي وأرواح المؤمنين جميعا؛ لم يقل ذلك أبدا، بل تعامل مع الواقع بما يقتضيه، وترك وطنه الذي ولد هو وأجداده فيه، وأخذ المسلمين معه وهاجروا جميعا إلى بلد غير بلدهم تاركين أراضيهم وثرواتهم وأقاربهم.

وإن وضع الروهنجيا ببورما يشبه كثيرا وضع هؤلاء المسلمين الأوائل بمكة ومعهم الرسول –صلى الله عليه وسلم-؛ فلذا ينبغي لهم أن يستفيدوا من تعاملهم معه في تلك الأوضاع المشابهة، ويرضوا بالأمر الواقع، ويقوموا بما يقتضيه، لا بما تأمره العاطفة والنفوس المتهورة غير الحكيمة.

لا أقول لهم اتركوا بلادكم وهاجروا إلى بلدان أخرى، وانتشروا فيها وانسوا بلادكم وامسحوها من رأسكم، لا أقول لهم هذا، بل أقول لهم:
إن أردتم العيش بسلام هناك والتعايش السلمي في بلادكم مع البوذيين فلا بد من التنازل عن بعض الأمور التي تجلب لكم هذه المصائب والكوارث المتكررة، وإذا كان الدين يأذن بالنطق بكلمة الكفر مع استقرار الإيمان في القلب حفاظا على الروح والنفس؛ فكيف بما دون ذلك من الأمور التعبدية؟!

وهذا التنازل إنما هو للبحث عن الاستقرار وإيقاف شلالات الدماء التي تكون كل بين فترة وأخرى، وليس هو نهاية المطاف، بل لا بد هناك من عمل كبير يجب القيام به بتكاتف كل العاملين الروهنجيين وتعاونهم مع بعضهم، إضافة إلى الاستفادة من خبرات المخلصين وإسهاماتهم من غير الروهنجيين، وهذا العمل الذي يقوم يجب أن يكون منظما ومدروسا ذا أهداف مرحلية محددة موصلة في الأخير إلى تحقيق الرؤية المشتركة عند كثير من السياسيين الروهنجيين، وهي امتلاك حق تقرير المصير، بمعنى أنه بهذا العمل المنظم والمدروس يصل الروهنجيون مرحلة في فترة من الفترات القادمة يمتلكون فيها حق تقرير مصيرهم؛ فهم الذين يقررون نوعية مصيرهم الذي يكونون عليه، هل يبقون في ميانمار بصفتهم عرقية رسمية كبقية العرقيات الرسمية الموجودة في البلاد لهم ما لكل العرقيات الأخرى من حقوق، وعليهم ما عليها من الواجبات، أو يكون لهم حكم ذاتي فدرالي، أو يستقلون ببلدتهم أراكان، أو أي خيار آخر يناسب وضعهم في تلك الفترة.

هذا مجرد رأي شخصي يقبل النقاش والأخذ والرد، وليس أمرا مسلما به عند جميع الروهنجيين؛ أرجو أن تنظروا إليه، ادرسوه إن كان معتبرا، وإلا فارموا به عُرض الحائط. والسلام عليكم


البلد الحرام – الإثنين 1436/12/22 

الصلح الذي لا يحقق المصلحة العامة فساد!


ما يقوم به المصلحون حاليا وما قاموا به سابقًا هو لتحقيق المصلحة العامة، وليس لتحقيق مصالح خاصة بهم؛ وعلى هذا فالصلح الذي لا يحقق المصلحة العامة يعد فسادا وضياعا للجهود التي بذلت من قبل المصلحين منذ أربع سنين أو أكثر، مع تحملهم لأنواع الأذى من السباب والشتائم والقدح في الأعراض والاتهام الباطل بارتكابهم مخالفات أمنية، وتعرضهم لتخريب سمعتهم في مجتمعهم وبيوتهم.

ولو كان الهدف هو تحقيق المصلحة الخاصة لما تحرك المصلحون منذ البداية؛ لأن الحركة التي قاموا بها كانت مهددة بتدمير مصالحهم الخاصة من حيث العلاقات الاجتماعية بأساتذتهم وشيوخهم، وأصحابهم وأصدقائهم وزملائهم، بل وبإخوانهم الأشقاء أيضا، ولم يكن لهم أي خصومة مع هؤلاء قبل حركتهم هذه.

وكذلك كانت مهددة بتشويه سمعتهم لدى الخاصة والعامة في الأحياء وغيرها من الأماكن والمواطن.

وقد حصل غالب ما سبق لكثير من المصلحين، ومع هذا تمسكوا بمبدئهم، وثبتوا على المنهج الذي يسيرون عليه حتى تحقيق الهدف المنشود.

وأي محاولة للصلح بعد هذه الفترة الطويلة من كفاحهم تعد إضاعة لما بذلوا ويبذلون من الجهود الكبيرة إلا إن كانت النتيجة قطع دابر الفساد وإسعاد العامة بعمل نزيه يسعى لتحقيق رغباتهم، وليس للتسلط عليهم، وتفريق صفهم، واستحمارهم، وتدمير عقولهم، ومحاربة المبدعين والمفكرين.

وأي صلح لا يحقق النتيجة السابقة يعد مشاركة المفسدين في فسادهم مقابل تقسيم كعكة الكراسي والمناصب العنكبوتية بين المفسدين الأولين والمفسدين الجدد.


البلد الحرام الخميس 1437/8/19 

الحكومة االسعودية تمسح دموع الجالية البورمية الروهنجية


نشرت بعض الصحف الإخبارية المحلية خبرا مفاده أن هناك لجانا كونت لتعبئة بيانات أفراد الجالية البورمية الروهنجية؛ تمهيدا لتصحيح وضعهم النظامي ومنحهم إقامات خاصة من قبل الحكومة السعودية.

ومثل هذا الخبر أعدّه بشارة كبيرة لكل فرد بورمي روهنجي يقطن هذه الأرض الطيبة، أرض المملكة العربية السعودية؛ حيث إن كثيرا منهم يعيشون معاناة شديدة، وظروفا عصيبة منذ أن طُبق عليهم نظام عدم تجديد الهُوية لمن يحمل جوازا بنغاليًا وعنده شخص مرافق في إقامته بلغ السن الثامنة عشرة؛ إذ إن البورميين الروهنجيين لا يستطيعون الحصول على جوازات بلادهم، وإنما يُضطرون إلى الاستفادة من جوازات بلدان أخرى، كباكستان وبنغلاديش وبريطانيا وسويسرا وغيرها. 

وأكثر المقيمين منهم في السعودية يحملون جوازات بنغالية أو باكستانية، وهؤلاء الذين يحملون الجوازات البنغالية قد ذاقوا أشد مرارة الحياة بعد تطبيق النظام عليهم مع أنه صدر لغيرهم، لكنه شملهم بحكم حملهم تلك الجوازات، ومن صنوف المعاناة التي ذاقوها ويذوقون:

1-حرمان كثير من أبنائهم التعلمَ في المدارس الحكومية من الأصل.

2-عدم استطاعة كثير من أبنائهم مواصلةَ الدراسة في المدارس الحكومية بعد أن قطعوا فيها شوطا كبيرا، وبمستويات متميزة شهد بها القاصي والداني.

3-تعطل الكثيرين منهم عن العمل، وعجزهم عن البحث عما يقتاتونه خوفا من الملاحقة النظامية.

4-وتولد مما سبق إصابتهم بالفقر الشديد، وعدم استطاعتهم معالجةَ مرضاهم من الكبار والصغار والأطفال الرضع.

5-معاناة كثير منهم وقتَ الولادة؛ وبخاصة عند الحاجة إلى العملية القيصرية التي تكلف أموالا باهظة.

6-المشكلات الاجتماعية التي سببها المادة والمال.

7-ممارسة بعض أطفالهم التسول والسرقة بحثا عما يدفعون به الفاقة والحاجة، وغيرها من ألوان المعاناة التي يعرفها كل من درس أحوالهم، واحتك بهم، وعاشرهم عن قرب.

وهنا أقول: إن هذا التصحيح الذي بُشرنا به، وما ينتج عنه من منح إقامات خاصة، وتقديم خِدمات صحية، وإيجاد مهن ووظائف مناسبة لأفراد الجالية الروهنجية من قبل الحكومة السعودية؛ لهو مبادرة إنسانية كريمة منها تُثلج الصدر، وتُبهج النفس؛ وتكون كفيلة بأن تقضي على معاناة البورميين الروهنجيين كلها، وأن تهيئ لهم حياة كريمة سعيدة طالما انتظروها بفارغ الصبر.



وختامًا لا أملك في هذا المقام إلا أن أرفع إلى مقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود أسمى آيات الشكر والتقدير والعرفان؛ على هذه المبادرة الكريمة والوقفة النبيلة تجاه هذا الشعب المنكوب والمغلوب على أمرهم، وإلى حكومته الرشيدة، وإلى الشعب السعودي فردًا فردًا على حسن الضيافة والاهتمام بالقضية الروهنجية ودعمها والسعي لنصرتها؛ سائلا المولى -جل وعلا- أن يوفقهم كلهم لكل خير ونفع وصلاح ورشاد، إنه سميع قريب مجيب الدعوات.

الجالية البورمية ليسوا ملائكة!


مع مطلع العام الهجري الجديد عام ألف وأربعمائة وثمانية وثلاثين قامت حملة شرسة في تويتر وغيره من وسائل الإعلام ضد جاليتنا الجالية البورمية المقيمة بالمملكة، وسلاحها بعض الأخبار الملفقة والأكاذيب المؤلفة التي نشرتها بعض الصحف والجرائد، وكذلك بعض الأخبار الصحيحة المتعلقة بأخطاء أفراد الجالية، لكنها عبارة عن مجموعة لأخبار سنوات عديدة.

فالقسم الأول من سلاحها لأنه كذب ودجل، وزور وافتراء؛ لا أريد أن أضيع وقتي في تفنيده وإبطاله، وأيضا لأن كثيرا من الكتاب من البورميين وغيرهم بينوا بطلان ذلك، إضافة إلى بعض الصحف؛ حيث إنها نفت صحة خبر المعلمات الحديث الذي جعلوه سببا رئيسا لإحداث الضجة الأخيرة، وانضمت إليها كذلك إدارة تعليم مكة في نفي الخبر وبيان بطلانه.

وأما القسم الثاني من سلاحها -وهو قسم الأخبار الصحيحة التي حملت وقائع من أخطاء أفراد الجالية-؛ فأقول فيه مستعينا بالله –تعالى-:
إنه ليس هناك فرد من البشر معصوما من الخطأ ما عدا الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام-، وكذلك ليس هناك مجتمع يخلو من الأخطاء والأفعال الشائنة؛ فلذا كل واحد منا –معشر البشر-، أو كل مجتمع في هذه البسيطة إن فتشنا في سجلاته نرى فيها كثيرا من الأخطاء التي ارتكبها قصدا أو بغير قصد، والمجتمع البورمي هو أحد هذه المجتمعات التي تعيش على هذه البسيطة، وليس مجتمعا ملائكيا نزل من السماء؛ فلذا من غير المستغرب أن يصدر منه بعض الأخطاء والهفوات والزلات كما يصدر ذلك من بقية المجتمعات، وهذه الأخبار التي تبين أخطاء بعض أفراد الجالية البورمية فما هي إلا من هذه الزلات والهفوات التي لا مفر منها لأي مجتمع، هذا أولا.

ثانيا: أن هذه الأخطاء لم تصدر كلها في يوم أو أسبوع، أو شهر أو سنة، بل هي مجموعة لأخبار سنوات عديدة، ولعل بعض الأفراد من المجتمعات الأخرى إن جمعت سيئاته التي اقترفها في عدة سنوات؛ ليصل حجمها إلى حجم هذه الأخطاء التي ارتكبها المجتمع البورمي بمجموعه؛ فمن الطبيعي إذن ظهور تلك الأخطاء المنشورة للجالية البورمية بهذا الحجم الكبير ما دام أنها أخطاء سنين متراكمة.

ثالثا: أن أفراد الجالية البورمية في المملكة يصل عددها إلى أكثر من مائتين وخمسين ألف بورمي كما بينت ذلك الإحصاءات الحديثة؛ فكم تبلغ إذًا نسبة هذه الأخطاء المنشورة مقارنة بهذا العدد الكبير؟

علما أن العدد هنا لا يصل إلى نسبة واحد في المائة إلا إن وصل إلى ألفين وخمسمائة فرد بورمي؛ فهل يصل عدد المخطئين من أفراد الجالية البورمية إلى اثني عشر ألفا وخمسمائة فرد؛ ليكون مقدار النسبة خمسة في المائة في السنة الواحدة؟

أرجو من هؤلاء الذين يحاولون تضخيم أخطاء الجالية البورمية حقدا وحسدا أن يقارنوها بعدد أفرادها في المملكة، وعند المقارنة بالطريقة هذه فلا أظن أنه يصل أمر أخطاء الجالية البورمية إلى هذه الضخامة التي يتوقعونها أو يبرزونها للناس بهذه الصورة المشوهة.

رابعا: هناك كثير من المجتمعات الأخرى التي تقطن المملكة حالها مثل حال الجالية البورمية أو أسوأ منها في نسبة ارتكاب الأخطاء؛ فلماذا لم تبرز أخطاؤها كما أبرزت أخطاء الجالية البورمية إن كان الذي أثار حفيظة هؤلاء هو ضخامة أخطائها؟

وقد يأتي من يقول إن الجالية البورمية تصدرت القائمة في الأخطاء؛ لذا التركيز منصب عليها لوحدها حاليا= فيقال له: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين؛ أثبتوا ذلك بقائمة الإحصاءات الرسمية، وإلا فلا يخرج الموضوع عن كونه مجرد تهم وافتراءات وتشويه سمعة؛ لأغراض دنيئة تريدون تحقيقها من وراء ذلك في قادم الأيام!

خامسا: إن كان الذي أزعجكم هو الأخطاء فلماذا لا تقتصرون على الحديث عن الأخطاء الصادرة منهم وتتجاوزون إلى العنصرية البغيضة؟ وموضوع التفريق بين المواطن والأجنبي، والعربي والعجمي؟ وموضوع أرزاقهم وأموالهم؟ دعوها فإنها منتنة!

والرزق بيد الله -عز وجل-، فكل يأخذ نصيبه الذي قدره الله له، سواء البورميون موجودون أم غير موجودين، وأنتم أعلم بهذا؛ لكونكم في بلد العقيدة والتوحيد.

سادسا: لماذا التعميم في النقد والهجوم؟ لماذا لا تقتصرون على المخطئين؟ هل هذا هو العدل الذي تمليه عليكم شريعة الإسلام وأنتم مسلمون في منبع الإسلام؟

هل هذا ما فهمتموه من قول الرب -جل وعلا-: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)؟ هل ترضون أن تُعاملوا بالمثل في موضوع التعميم عندما يخطئ بعض أفرادكم، أم يجوز لكم ما لا يجوز لغيركم؟

اتقوا الله في إخوانكم المظلومين المضطهدين في بلادهم، والمهاجرين إلى بلاد الحرمين فرارا بدينهم وعقيدتهم، ولا تفتروا عليهم لأغراض دنيئة تريدونها لأنفسكم، ولا تشوهوا سمعتهم بالكذب والبهتان؛ فالله بصير بما تعملون، وسميع ما تقولون، قادر على أن يجعل وضعكم كوضعهم، ووضعهم كوضعكم في حسن المعيشة وشدتها.


البلد الحرام - الاثنين 1438/1/2

حكم اتخاذ يوم معين لذكرى نكبة الروهنجيا


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإني كنت أحد المشاركين في التفاعل مع ذكرى اليوم الثالث من يونيو للروهنجيا، والذي كانت فيه بَداءة شرارة الحدث الأخير في أراكان بمقتل الدعاة العشرة والتمثيل بجثثهم من قبل البوذيين، وقد سألني بعض طلبة العلم عن حكم إحداث مثل هذا اليوم والتفاعل معه؛ فبينت وجهة نظري فيه برؤية شرعية ودراسة تأصيلية مع الإشارة إلى الخلاف الوارد بين أهل العلم فيما يشبهه من المسائل، لكن كان ذلك خاصا بيننا ولم يظهر لغيرنا، والآن أرى إظهار هذا الرأي لتعم فائدته وتتم دراسته علميا من قبل المختصين.

أقول في مطلع حديثي في هذا الموضوع إنه ينبغي لنا قبل الشروع في الحديث عن المسألة أن نمر ببعض المقدمات:
المقدمة الأولى: أن هذه المسألة ليست من مسائل الإجماع، بمعنى أنها مما يجوز فيه الاجتهاد، ويصح أن يتوفر فيه أكثر من قول من جهة المجتهدين؛ إذًا فلا ينبغي لطالب العلم أن يَتهم بالضلال والجهل من يأتي بقول يخالف ما ذهب إليه هو ما دام أنه مقرون بأدلته المعتبرة.

المقدمة الثانية: أن كل عالم أو إمام مهما علا شأنه، وعظم فضله؛ فإنه ليس بمستغرب أن يُرد بعض قوله؛ إلا المعصوم –صلى الله عليه وسلم-، فإنه ليس لنا أمامه إلا أن نقول "سمعًا وطاعةً".

المقدمة الثالثة: أن القول الصحيح في مسألة ما لا يؤخذ بالنظر إلى كثرة أصحابه، ولا إلى مكانتهم، ولا إلى مكان وجودهم كمكة أو المدينة أو الكوفة أو البصرة؛ وإنما يؤخذ بالنظر إلى قوة أدلته وحججه؛ فلهذا ليس من المنهج العلمي أن نقول إن هذا هو المذهب الصحيح؛ لأن قائله فلان وفلان، بل يقال لأن دليله أقوى، وحجته أقنع.

المقدمة الرابعة: لا ينبغي لطالب العلم أن يكون نقاشه بالنظر إلى من قال، بل ينبغي أن يكون بالنظر إلى ما قال، وما بنى عليه قوله.

المقدمة الخامسة: أن المسألة هذه من المسائل الشرعية؛ فيجب أن يكون النقاش فيها نقاشا علميا، لا عاطفيا كما يظهر في حوارات كثير منا.

المقدمة السادسة: ينبغي أن نجعل الحكَم في النقاش هو الدليل والتعليل، وليس الشخص وعدد القائلين.

وبعد هذه المقدمات اليسيرة نستعين بالله -سبحانه- في الدخول إلى موضوعنا الذي نحن بصدد الحديث عنه، فنقول:
إنه أشكل على كثير من الناس، بل على كثير من طلاب العلم موضوع تحديد يوم معين في السنة لذكرى نكبة الروهنجيا، وقد دار فيه جدل ونقاش، وأخذ ورد في وسائل التواصل الاجتماعي والجلسات العلمية؛ مما أوجب عليّ البحث عن حقيقة هذه المسألة وحكمها الشرعي؛ وذلك لأني – كما أشرت إليه سابقا- أحد من تفاعلوا مع هذه الذكرى في ثلاثة يونيو.

وبعد البحث الدقيق في المسألة أو في أمثالها وجدت أن هناك كثيرا من أهل العلم ذهبوا إلى تحريم اتخاذ مثل هذا اليوم، وأبرز أدلتهم التي استندوا إليها في ذلك ما يأتي:
1-        أن فيه تشبهًا بالكفار.
2-        أن فيه مضاهاةً للأعياد الشرعية.
3-        أن فيه تعظيمًا ليوم معين في السنة من غير دليل من الشرع.
4-        أنه من باب الإحداث في الدين.
5-        أنه يعد من سب الدهر كما صرح به بعض العلماء.

وفي مطلع مناقشة هذه الأدلة ينبغي أن نعلم أن "الحكم يدور مع علته وجودا وعدما"؛ فهذه الخمسة كلها علل للتحريم، فمتى وجدت واحدة منها أو كلها في مسألتنا فإن الحكم فيها يكون بتحريم اتخاذ هذا اليوم، ومتى خلت منها كلها فإن الحكم فيها يكون بإبقاء الحكم الأصلي، وهو الحل والإباحة.

فنأتي إلى العلة الأولى، وهي التشبه بالكفار.
تعالوا ننظرْ "هل هذه العلة موجودة في المسألة، أم غير موجودة؟ وقبل أن نعرف جواب هذا ينبغي لنا أن نعرف ما ضابط التشبه بالكفار؟

ضابط التشبه بالكفار هو: فعل المسلم ما هو من خصائص دينهم وعقيدتهم أو عاداتهم وتقاليدهم، يقول شيخنا ابن عثيمين –رحمه الله- في "الشرح الممتع" 3/237: "التشبه بالكفار حرام، ولكن لا بد أن نعرف ما هو التشبه، وهل يشترط قصد التشبه؟

فالجواب: أن التشبه أن يأتي الإنسان بما هو من خصائصهم؛ بحيث لا يشاركهم فيه أحد كلباس لا يلبسه إلا الكفار، فإن كان اللباس شائعًا بين الكفار والمسلمين فليس تشبهًا، لكن إذا كان لباسًا خاصًا بالكفار، سواء كان يرمز إلى شيء ديني كلباس الرهبان، أو إلى شيء عاديّ لكن من رآه قال: هذا كافر، بناءً على لباسه فهذا حرام. "اهـ

وما شاع بين المسلمين ما كان من خصائصهم من العادات والتقاليد حتى أصبح أمرًا من الأمور المشتركة بين الكفار والمسلمين؛ فإن الإتيان به لا يعد تشبها بهم، قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: "وقد كره بعض السلف لبس البرنس؛ لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به. قيل: فإنه من لبوس النصارى، قال: كان يلبس ها هنا" أهـ.

ويقول أيضا كما ورد في الفتح: "وإن قلنا: النهي عنها (أي عن المياثر الأرجوان) من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما لم يَصِر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة. والله أعلم" أ.هـ.

ويقول شيخنا ابن عثيمين –رحمه الله- كما في مجموع فتاويه ورسائله: "مقياس التشبه أن يفعل المتشبِه ما يختص به المتشبَه به، فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئًا من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهًا، فلا يكون حرامًا من أجل أنه تشبه، إلا أن يكون محرمًا من جهة أخرى" اهـ.

والآن ننظر: هل اتخاذ يوم يعود في زمن محدد أسبوعيا أو شهريا أو سنويا لفعل أمر معين فيه غير تعبدي يعد من خصائص الكفار، أم أنه أمر مشترك بينهم وبين المسلمين؟

روى أحمد بسنده عن أنس –رضي الله عنه- أنه قال: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: "إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الفطر، ويوم النحر".

هنا في الحديث اتخذ اليهود كل سنة يومين يلعبون فيهما ويفرحون، والشرع لم يوافق عليهما، بل جعل بدلا عنهما يومين آخرين نفرح فيهما، وبذلك حصل اختصاص المسلمين بأعيادهم، واختصاص اليهود بأعيادهم.

لكن لو لحظنا إلى أصل المسألة فإننا نرى أننا مشتركون مع اليهود في اتخاذ يوم معين يعود كل سنة نفرح فيه؛ إذًا، الذي لم يوافق عليه الشرع هو اشتراكنا مع اليهود في اليومين الذين يختصان بهم، وليس في أصل المسألة، وهو اتخاذ يوم معين في السنة لنفرح فيه؛ وبذلك نعلم أن هذه المسألة ليست مما يختص به الكفار، بل هي من المسائل المشتركة بيننا وبينهم.

ومن صور وجود مثل هذه المسألة في ديننا يوم التروية يعود كلَّ سنة، وكذلك يوم عرفة، وكذلك أيام التشريق، ويوم عاشوراء، ويوم الجمعة.

ومن صور وجودها في عاداتنا وعرفنا أننا جعلنا في المملكة يوم خمسة وعشرين من كل شهر هجري موعدًا لتسلم الرواتب، ويوم السبت والجمعة موعدًا للإجازة الأسبوعية، وكذلك بعض الناس يجعلون يوما معينا في الأسبوع أو في الشهر موعدا للرحلة أو الزيارة أو ممارسة الرياضة أو لغير ذلك من أمور حياتهم؛ ولم يقل أحد من العلماء إن مثل هذا لا يجوز؛ لأنه تشبه بالكفار.

إذًا، يجوز شرعًا وعرفًا اتخاذ يوم معين يعود في زمن معين لممارسة عمل معين فيه غير تعبدي، وليس ذلك من خصائص الكفار؛ وعليه فإن مسألة التشبه فيه غير واردة.

وعلى فرض أن الأصل هو من اختصاص الكفار، ثم انتشر بين المسلمين؛ فإنه أيضا لن يندرج تحت مسألة التشبه بالكفار؛ لانتفاء شرط الخصوصية في زمن البيان.

ونأتي الآن إلى اليوم نفسه، وهو الثالث من يونيو، هل يقال إنه يوم خاص بالكفار يؤدون فيه طقوسا معينة؟

الجواب ليس كذلك قولا واحدًا كما هو معلوم لدى الجميع.

إذً، مسألة التشبه بالكفار غير واردة في موضوعنا لا من حيث أصلُها، ولا من حيث اليومُ نفسه، وبذلك تنتفي هذه العلة من اتخاذ يوم ذكرى نكبة الروهنجيا.

العلة الثانية: مضاهاة الأعياد الشرعية.
لمعرفة وجود هذه العلة أو عدم وجودها لا بد أن نعرف ما أبرز خصائص الأعياد الشرعية؟

الأعياد الشرعية عندنا ثلاثة، وهي عيد الفطر وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة، وأبرز خصائصها أن تشتمل -إضافةً إلى إظهار الفرح في العيدين- على عبادات معينة تختص بتلك الأيام؛ فيوم الفطر من أبرز العبادات التي تختص به صلاة العيد والتكبيرات، وعيد الفطر من أبرز العبادات التي تختص به صلاة العيد وذبح الأضاحي، ويوم الجمعة من أبرز العبادات التي تختص به صلاة الجمعة.

فهل هذه الصفة موجودة في ذكرى اليوم الثالث من يونيو؟

الجواب ليست موجودةً إطلاقًا؛ لأنه أصلاً لم يخصص لأداء عبادات وطقوس معينة فيه، وإنما للحملة الإعلامية، والتعريف المكثف لقضية الروهنجيا.

ولا يوجد فيه كذلك أي إظهار للفرح والسرور الذي هو من خصائص الأعياد الشرعية، وبانتفاء هذين الشرطين ليس هناك أي صفة تجعل يوم النكبة عيدًا إلا في العرف اللغوي، والعرف اللغوي ليس له علاقة بموضوعنا؛ إذ إنه لوحده لا يأخذ به اليوم صفة العيد الشرعي، ومما يدل على ذلك أن يوم عرفة يعود كلَّ سنة في تاريخ معين، ومع ذلك لا يسمى عيدًا؛ لعدم توفر شرط إظهار الفرح في ذلك اليوم، ومثله يوم عاشوراء.

إذًا، عرفنا أن علة مضاهاة الأعياد الشرعية غير واردة في موضوعنا.

قال الشيخ محمد بن حسن الددو الشنقيطي -رئيس هيئة تكوين العلماء بموريتانيا -: "إن الأعياد الكثيرة التي تستحدث في بعض الدول، مثل: عيد الأم وعيد الشجرة وغيرها؛ ليست أعيادًا، وإنما تلقب أعيادًا في ألقاب الناس؛ إنما هي مناسبات مثل غيرها: مناسبة اليوم الوطني، ومناسبة يوم التعليم، ويوم الجيش، ونحو ذلك؛ فهي مناسبات تستغل، وإذا اتجه الإنسان فيها إلى باب الشكر لله على نعمته فلا حرج في ذلك" ا.هـ. (موقع الفقه الإسلامي).

العلة الثالثة: تعظيم يوم معين في السنة من غير دليل.
لمعرفة وجود هذه العلة أو عدمها لا بد أن نعرف لماذا خصص هذا اليوم؛ هل خصص لليوم ذاته، أم لجعله ظرفا لعمل معين فيه؟

الجواب: لا شك أنه لجعله ظرفا لعمل معين فيه، وهو الحملة الإعلامية، والتعريف المكثف بالقضية؛ إذًا، علة تعظيم اليوم ليس لها أي وجود في موضوعنا، هذا أولًا.

ثانيًا: كيف لنا أن نعظم هذا اليوم، وهو الذي حصل فيه ما حصل من إهانة للدعاة وتعذيبهم وقتلهم؟!

تقول اللجنة الدائمة: "وما كان المقصود منه تنظيم الأعمال مثلًا لمصلحة الأمة وضبط أمورها، كأسبوع المرور، وتنظيم مواعيد الدراسة، والاجتماع بالموظفين للعمل، ونحو ذلك مما لا يفضي إلى التقرب به والعبادة والتعظيم بالأصالة؛ فهو من البدع العادية التي لا يشملها قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فلا حرج فيه، بل يكون مشروعاً". (فتوى رقم 9403- 3/59)

إشكال:
يقول البعض: إن لم يكن التعظيم هو المقصود من جعل يوم مخصص فلم التحديد بثلاثة يونيو، ولم لم يجعل في يوم آخر؟

الجواب:
أولا: إن الهدف من جعل هذا اليوم هو التركيز بشكل أكبر ونشاط أوسع على الحملة الإعلامية للتعريف بالقضية الروهنجية؛ فالناس منشغلون بأمورهم الخاصة، وليس لديهم وقت كاف للتفاعل مع القضية إعلاميا في كل وقت، فلو رتب لهم زمن معين في السنة فإن ذلك يساعدهم على هذا التفاعل وبذل جهد أكبر؛ لأنه زمن محدد يمكنهم الاستعداد له مسبقا؛ فبناء عليه رتب هذا اليوم.

ثانيا: بعد دراسة جدوى تحديد يوم لا بد من البحث عن اليوم المناسب، هل يتم تحديده عشوائيا، أم مع ربطه بحدث معين؟

والذي يحدد أحد الرأيين هو مسألة التأثير الأكبر في نفوس الناس؛ فاليوم الذي يكون تأثيره أقوى لا شك أنه أولى من غيره، فظهر أن تحديد يوم في السنة مثل اليوم الذي بدأت فيه الأحداث الأخيرة يكون تأثيره أوقع في النفوس، واليوم الذي بدأت فيه الأحداث هو ثلاثة يونيو؛ فتم تحديد هذا اليوم.

وهذا كمثل تاجر ينزل بضاعته بكمية معينة كل يوم، لكن يأتيه يوم معين في الشهر ينزل فيه البضاعة أكثر مما سبقه ومما يأتي بعده من الأيام؛ لأنه لحظ أن إقبال المشترين في اليوم نفسه أكثر من غيره.

إذًا، المسألة لا تعدو كونها تنظيما وترتيبا واستثمارا لفرصة إعلامية سنحت للتعريف بالقضية، واليوم المحدد ليس لذاته أي اعتبار، وإنما لما فيه من التأثير في إنجاح الحملة الإعلامية، وليس هناك مانع إن تم تحديد يوم آخر غيره، لكن الحملة لا تنجح كما تنجح في اليوم الأول.

العلة الرابعة: إحداث أمر في الدين من غير دليل.
ليعلم أن هذه العلة تتعلق بالعبادات، ومعنى ذلك أنها لا ترد في غير العبادات، ويوم النكبة لم يخصص لأداء عبادات خاصة به، وإنما للحملة الإعلامية والتعريف بالقضية، وهي من الأمور الدنيوية، وليست من الأمور التعبدية حتى يقال إنه من باب إحداث أمر في الدين، وإن كانت النية الحسنة فيها يثاب عليها صاحبها.

فيعلم من هذا أن علة إحداث أمر في الدين من غير دليل غير واردة في موضوعنا.

يقول الدكتور عبد الله بن بيه: "اليوم الوطني ليس عيدًا، والأعياد التي لا يجوز إحداثها هي الأعياد الدينية، وليست التجمعات التي يتجمع الناس بها لسبب أو لآخر، قد يحتفلون بالزواج، وقد يحتفلون بالولادة، وقد يحتفلون بأي شيء؛ فهذا ليس من الأعياد الدينية؛ لهذا يجب أن نزيل هذا الوهم، وهذه الشبهة التي يتعلق بها كثير من الناس، فيدخلون على الناس حرجًا وشغبًا في دينهم؛ بحيث يصبح المتدين أو الملتزم في حرج يشعر وكأنه يأتي كبيرة ويأتي منكرًا، هذا ليس بمنكر، فالأصل في الأشياء الإباحة" ا.هـ. (المرجع: موقع الشيخ – أرشيف الفتاوى).

العلة الخامسة: سب الدهر.
أولا: أن هذه العلة في حال وجودها وصحة الاستدلال بها في موضوعنا أرى أنها تتعلق بالتسمية، وليس تعلقها باليوم نفسه؛ إذ بإمكاننا أن نغير التسمية إلى (يوم استشهاد الدعاة العشرة)، وما أشبه ذلك من الأسماء التي لا يفهم منها سب الدهر.

ثانيا: هل هذه العلة موجودة فعلا في تسميتنا لليوم بـــ(يوم النكبة)؟

لنعرف ذلك ينبغي لنا أن نعرف ما معنى سب الدهر؟

الإجابة: معنى سب الدهر كما يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك: "وسب الدهر يكون بلعنه وتقبيحه، وبإضافة فعل المكروه إليه، كقول الكفار: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}، وفي معناه: أبادهم الزمان، ومزقتهم الأيام، ومثل ذلك ما جاء على ألسن كثير من الشعراء، كقول زهير أبي سلمى:

يا دهـر قـد أكـثرت فجعتنـا *** بسراتنـا وقـرعـت في العـظـم
وكقول الشريف المرتضى:

قطعتَ بها يا دهرُ حبلَ وتيني *** فشأنك أنّي اليومَ طوعُ شؤوني

ويقول أيضا: "وأما وصف الزمان بما يقع فيه مما يقدره الله من الخير والشر، كقولك: يوم مطير، ويوم بارد، وحار، ويومٌ نحسٌ؛ فلا يدخل ذلك في سب الدهر والأيام؛ لأنه خبر محض عمَّا جرى فيه من قدر الله، قال –تعالى-: {فَأَرْ‌سَلْنَا عَلَيْهِمْ رِ‌يحًا صَرْ‌صَرً‌ا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ}، وقال –تعالى- عن لوط –عليه السلام-: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُ‌سُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْ‌عًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}". (كلام الشيخ منقول من فتوى منشورة في موقع طريق الإسلام)

إذًا، عرفنا مما سبق أن سب الدهر لعنه وتقبيحه وإضافة فعل المكروه إليه على أنه هو فاعله، أما مجرد وصف ما حصل في الزمن من الأمور المكروهة فلا يعد ذلك من سب الدهر؛ وعليه نعرف أن عبارة (يوم النكبة) ليست من سب الدهر؛ لأن معناها: يوم حصول النكبة فيه، أي جعل اليوم ظرفا لوقوع النكبة فيه، ويفهم من هذا أن العبارة لا تعدو كونها وصفا لما حدث في ذلك اليوم وتعريفا لليوم، وهذا ليس فيه أي سب للدهر ولا أي محذور شرعي كما علمت، وهو كما بينا من باب (أيام نحسات)، و(هذا يوم عصيب).

إذًا، علمنا أن هذه العلة غير ورادة في موضوعنا، وأنها خاصة بالتسمية، وليست علاقتها مباشرة باليوم.

الخلاصة:
علمنا من خلال ما سبق أن اتخاذ يوم ذكرى لنكبة الروهنجيا ليس فيه أي محذور شرعا، وأن كل التعليلات التي قيل بتحريمه لأجلها معلّة وغير واردة في هذه المسألة – كما بينا ذلك بالتفصيل-.

وكل أمر ليس من الاعتقادات الشرعية ولا من العبادات فإن الأصل فيه الحل والإباحة حتى نجد من الأدلة الشرعية ما يصرفه عنه إلى حكم آخر من التحريم والكراهة.

وقد استدلوا على تحريم اتخاذ هذا اليوم ببعض العلل، وكلها غير واردة فيه، وهي ما يلي:
1-    علة التشبه بالكفار، وهي غير واردة؛ لأن المسألة ليست مما يختص بالكفار كما بينا ذلك.

2-   علة المضاهاة للأعياد الشرعية، وهي غير واردة؛ لعدم توفر شروط الأعياد الشرعية فيه، وهي إظهار الفرح والسرور، وأداء عبادات وطقوس معينة، ولا يوجد شيء من ذلك في اليوم نفسه.

3-   علة تعظيم يوم معين من غير دليل، وهي غير واردة؛ لأنه لم يخصص يوم ذكرى النكبة لفضل اليوم نفسه، وإنما خصص للقيام ببعض الأمور الإعلامية فيه والتعريف المكثف بالقضية؛ وهو ليس إلا من باب استثمار الحدث والفرصة في المجال الإعلامي.

ولا يمكن أن يعظم اليوم نفسه لأن ما حصل فيه ليس مما يكون سببا لتعظيمه كما هو معلوم لدى الجميع.
4-   علة إحداث أمر في الدين من غير دليل، وهذه أيضا غير واردة؛ لأنه ليس هناك أي طقوس دينية ولا أي عبادة خاصة باليوم نفسه، بل الذي يكون فيه هو أمر دنيوي، وهو القيام بالجهود الإعلامية؛ والبدع الشرعية إنما تكون في العبادات والعقائد، وليست في الأمور الدنيوية.

5-   علة سب الدهر، وهذه كذلك غير واردة؛ لأن يوم النكبة ليس المقصود به سب الدهر، وإنما المقصود به الإخبار بأنه يوم حصلت فيه نكبة الروهنجيا، وشتان بين الإخبار والسب، وهو مثلما في القرآن كعبارة (أيام نحسات)، و(هذا يوم عصيب).

وأيضا أن هذه العلة ليست علاقتها مباشرة باليوم نفسه، وإنما بالتسمية، والتسمية سهل تغييرها، ولا ينبغي تحريم اتخاذ ذكرى اليوم لأجل تسميته إن صح وجود العلة فيها، لكن الصحيح أن العلة غير واردة حتى في التسمية.

أسأل الله أن يوفقنا جميعا للحق والصواب في القول والعمل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


حرر يوم الثلاثاء 19-8-1435هـ

الأراكانيون الروهنجيون


الأراكانيون هم المنسوبون إلى بلدة أراكان المحتلة، والتي أصبحت حاليًّا إقليمًا من أقاليم ميانمار البوذية، والمنسوبون إلى أراكان منهم الروهنجيون، ومنهم بعض العرقيات من البوذيين، وكلهم من سكان أراكان؛ فلذا لا يفهم من لقب "الأراكاني" المجرد أن صاحبه ليس إلا مسلمًا أو روهنجيًا، بل يفهم منه أنه من أراكان فحسب، وأراكان فيها مسلمون، وفيها مشركون، وفيها روهنجيون، وفيها عرقيات أخرى من البوذيين؛ ويعني هذا أن لقب "الروهنجي" أكثر دقة من لقب "الأراكاني"؛ فلقب "الروهنجي" يفهم منه أن صاحبه أراكاني مسلم من عرقية الروهنجيا، ولا يفهم ذلك من لقب "الأراكاني".

وسبب هذه المقدمة أنني رأيت كثيرًا من الكتاب عندما يكتبون عن الروهنجيا يقولون "إن الأراكانيين ثقافاتهم كذا"، "وعاداتهم كذا"، من دون أن يقيدوهم بشيء، وهو غير دقيق؛ لأن كلمة "الأراكانيين" تشمل أكثر من عرقية في أراكان، وليس هناك تحديد عرقية معينة في حديثهم، وقد يقولون: "إن الناس يَظنون أن الأراكانيين هم الروهنجيا فحسب؛ فلذا لا نحدد ولا نقيد"، فيقال لهم: إن ذلك تغييب للحقيقة، وخلاف للواقع، وهذا التصرف إن فعله الأراكانيون البوذيون وقالوا: "إن عادات الأراكانيين كذا" وهم لا يقصدون إلا أنفسهم= لا نرضى بذلك؛ لأن الأراكانيين ليسوا وحدهم فحسب، بل نحن كذلك أراكانيون، فلا بد أن يكون هناك تمييز بيننا وبينهم، ونحن نختلف عنهم في كل شيء، نختلف عنهم في العقيدة والديانة التي نعتنقها، وفي العادات والتقاليد، وفي اللغة والسَّحنة؛ فلذا لا بد من الصدق والأمانة والدقة في نقل المعلومة للمتلقين من خارج مجتمعنا، وممن لا يملكون المعلومة الصحيحة.

وقد يقول بعضنا: "إن الأراكانيين الحقيقيين هم الروهنجيا، وأما البوذيون فهم دخلاء؛ فلهذا لا نعدهم أراكانيين"، وهذا التعليل أيضا عليل؛ لأننا لا نرضى أن يعاملونا بالمثل ويقولوا عنا: "إن الروهنجيا دخلاء بنغاليون"، والبوذيون هم الأراكانيون الحقيقيون" من دون أن يثبتوا ذلك بأدلة ووثائق صحيحة.

وهناك سبب آخر جعلني أكتب هذا المقال، وهو أنهم غير دقيقين أيضًا في تحديد الأراكانيين الروهنجيين الذين يتكلمون عنهم؛ إذ إن الأراكانيين الروهنجيين الآن يقطنون أجزاء كبيرة من الكرة الأرضية؛ فمنهم من يسكن في أراكان، ومنهم من يسكن في الدول المجاورة لها، ومنهم من يسكن في دول أوروبا، ومن من يسكن في بلاد الخليج، وكل قسم من هؤلاء له عادات وتقاليد تختلف عن القسم الآخر؛ إذًا لا بد من تحديد القسم المقصود من هؤلاء عند الحديث عن عادات الأراكانيين الروهنجيين وتقاليدهم.

وقد يتحدث الكاتب عن تقاليد القسم الذي يقطن السعودية، لكنه بدون ذكر أي تفصيل أو قيد، وهو كذلك غير دقيق؛ لأن الجيل الحالي في السعودية يختلف عن الأجيال السابقة فيها؛ فالأجيال السابقة بقي معهم كثير من عادات بلادهم وتقاليدهم، وأما الجيل الحالي فأكثرهم –على حسب علمي القاصر- انصهروا في المجتمع السعودي؛ فلذا أصحبت عاداتهم وتقاليدهم أشبه بعادات السعوديين وتقاليدهم في اللبس والمظهر، واللغة وتسمية أسماء أولادهم، والاحتفالات وطريقة المعيشة عامة.

وهذا الجيل الجديد في السعودية يتحدثون العربية بطلاقة، ولا يحرفون الأسماء في مناداة بعضهم كما كان يفعل ذلك الأجيال السابقة؛ حيث كانوا يشوهون الأسماء العربية بطريقة نطقهم عندما يتنادون، فكانوا ينطقون اسم (محمد) بـ(مامَّود)، واسم (عبد الله) بـ(أدّولا)، واسم (عبد الرحمن) بـ(عدّو رامان)، وهكذا؛ وسبب ذلك أنهم كانوا حديثي عهد في النطق الصحيح بالأسماء العربية والكلمات العربية، فبقيت العجمة في لسانهم، وينطقون بالكلمات العربية على ما تقتضيه عجمتهم وطريقة نطقهم للغتهم.

وهذه الطريقة في النطق بالأسماء تلاشت تمامًا في الجيل الحالي للأراكانيين الروهنجيين في السعودية؛ فلذا من الظلم أن ننسب إليهم عيبًا غير موجود فيهم أصلًا.


البلد الحرام – الاثنين 25/12/1437هـ